مَا لِلمَلِيكِ مُؤَرَّقاً يَتَقَلَّبُ – خليل مطران

مَا لِلمَلِيكِ مُؤَرَّقاً يَتَقَلَّبُ … هَلْ يَحْمِلُ الْهَمَّ السَّرِيرُ المُذْهَبُ

أَنْتَ الرَّجَاءُ فَأَيَّ شَيْءٍ تَرْتَجِي … وَالرَّوْعُ أَنْتَ فَأَيَّ شَيْءٍ تَرْهَبُ

وَالمُلكُ جِسْمٌ أَنْتَ فِيهِ هَامَةٌ … وَيَدَاكَ مَشْرِقُ شَمْسِهِ وَالمَغْرِبِ

إِني مُنِيتُ بأُمَّةٍ مَخْمُورَةٍ … مِنْ ذُلِّهَا وَلَهَا الْقَنَاعَةُ مَشْرَبُ

لاَ ظُلْمَ يَغْضِبُهُمْ وَلَوْ أَوْدَى بِهِمْ … أَتَعِزُّ شَأْناً أُمَّةٌ لاَ تَغْضَبُ

إِنْ يَبْكِ ثَاكِلُ وُلْدِهِ وَزَجَرْتَهُ … عَنْ نَحْبِهِ أَلْفَيْتَهُ لاَ يَنْحَبُ

وَإذَا نَهَيْتَ عَنِ الْوُرُودِ عِطَاشَهُمْ … وَتَحَرَّقَتْ أَكْبَادُهُمْ لَمْ يَشْرَبُوا

وَإِذَا أَذَبْتَ الشَّحْمَ مِنْ أَجْسَامِهِمْ … تَعَباً فَإِنَّ نُفُوسَهُمْ لاَ تَتْعَبُ

أَعْيَانِيَ التَّفْكِيرُ في أَدْوَائِهِمْ … مِمَّا عَصِينَ وَحِرْتُ كَيْفَ أَطَبِبُ

إنَّ الْجَمَادَ أَبَرُّ مِنْ أَرْوَاحِهِمْ … بهِمُ وَأَمْتَنُ في الدِّفَاعِ وَأَصْلَبُ

فَلأَبْنِيَنَّ لَهْمْ جِدَاراً ثَابِتاً … كَالأَرْضِ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَخَرَّبُ

تَقَعُ الدُّهُورُ وَكُلُّ جَيْشٍ ظَافِرٍ … مِنْ دُونِهِ وَثَبَاتُهُ مُتَغَلِّبُ

وَتَهُزُّ مَنْكِبَهُ الصَّوَاعِقُ حَيْثُمَا … شَاءَتْ وَلاَ يَهْتَزُّ مِنْهُ المَنْكِبُ

وَيَعَضُّهُ نَابُ الصَّوَاعِقِ مُحْرِقاً … فَيَرُدُّهُ كِسَراً وَلاَ يَتَثَقَّبُ

وَيَمِيدُ ظَهْرُ الأَرْضِ تَحْتَ رِكَابِهِ … وَرِكَابُهُ فِي المَتْنِ لاَ تَتَنَكَّبُ

وَلأَجْعَلَنَّ بِهِ البِلاَدَ مَنِيعَةً … يَرْتَدُّ عَنْهَا الطَّامِعُ المُتَوَثِّبُ

وَلأَدُعُوَنَّ مَمَالِكِي وَشُعُوبَهَا … بِاسْمِي فَيُجْمَعُ شَمْلُهَا المُتَشَعَّبُ

وَلأَمْحُوَنَّ رُسُومَ أَسْلاَفِي بِهَا … فَيَبِيتُ مَاضِي الصِّينِ وَهْوَ مُحَجَّبُ

وَيُظَنُّ عَهَدِي بَدْءَ عَهْدِ وُجَودِهَا … فَيَتِمُّ لِي الفَخْرُ الَّذِي أَتَطَلَّبُ

يَا أَيُّهَا المَلِكُ الَّذِي حَسَنَاتُهُ … فَوْقَ الَّذِي نُثْنِي عَلَيْهِ وَنُطْنِبُ

كَمْ غَزْوَةٍ لَكَ في عِدَاكِ عَجِيبَةٍ … لاَ شَيْءَ غَيْرَ نَدَاكَ مِنْهَا أَعْجَبُ

كَمْ رَحْمَةٍ قَلَّدْتَ أَقْواماً بِهَا … أعْنَاقَهُمْ وَالسَّيْفُ يُوشِكُ يَسْلُبُ

كَمْ مِنَّةٍ لَكَ فِي الْعِبَادِ جَمِيلَةٍ … كَالشَّمْسِ تُنْمِي رَوْضَةً وَتُذَهِّبُ

هَذِي كَوَافِلُ حُسْنِ ذِكْرِكَ في الْوَرَى … وَأَبَرُّ مَا يَبْقَى الْفَعَالُ الطَّيِّبُ

يَكْفِيكَ فَخْراً أَنَّ أَعْظَمَ أُمَّةٍ … تَنْضَمُّ في مُلكٍ إلى اسْمِكَ يُنْسَبُ

فَعَلاَمَ أَنْتَ تُزِيلُ ذِكْرَ مُلُوكِهَا … وَأُولَئِكَ الْعُظَمَاءُ مَوْتَي غُيَّبُ

إِنْ تَمْحُ مِنْ أَسْفَارِهِمْ أَخْبَارَهُمْ … فَالصَّخْرُ يُنْحَتُ وَالمَنَاحِتُ تُكْتَبُ

وَلَيَعْلَمَنَّ النَّاسُ بَعْدَكَ أَمْرَهُمْ … فَتُلاَمُ مَا طَالَ المَدَى وتُؤَنَّبُ

خَدَعَتْكَ كَاذِبَةُ المُنَى بَوعُودِهَا … وَالحُرُّ يُخْدَعُ وَالأَمَانِي تَكْذِبُ

وَإِذَا نَظَرْتَ إلىَ الْحَقِيقَةِ صَادِقاً … فَالذِّكْرُ لَيْسَ يُعِيدُ عُمْراً يَذْهَبُ

أَمَّا الْجِدَارُ فَلَو رَفَعْتَ بِنَاءَهُ … حَتَّى اسْتّقَرَّ عَلَى ذُرَاهُ الكَوْكَبُ

وَلَو الْجِبَالُ جُعِلْنَ بَعْضَ حِجَارِهِ … وَلُحِمْنَ حَتَّى المَاءُ لاَ يَتَسَرَّبُ

فَلَيُحْدِثّنَّ النَّاسُ مَا هُوَ فَوْقَهُ … عِظَماً وَإتْقَاناً وَمَا هُوَ أَغْرَبُ

وَلَتُصْنَعَنَّ نَوَاسَفٌ تُثْفَى الرُّبَى … بِدُخَانِهَا مَنْثُورَةً تَتَلَهَّبُ

وَلَتَنْفُذَنَّ إِلَى بَكِينَ خَلاَئِقٌ … بَيْضَاءُ تَغْنَمُ مَا تَشَاءُ وَتَنْهَبُ

تَأْتِي بِهَا فَوْقَ الْبِحَارِ سَفَائِنٌ … كَالْجِنِّ في جِدِّ الْعَوَاصِفِ تَلْعَبُ

مَاذَا يُفِيدُ السُّورُ حَوْلَ دِيَارِهِمْ … وَقُلُوبُهُمْ فِيهَا ضِعَافٌ هُرَّبُ

فَأَبَرُّ مِنْ تَضْيِيقِ دُنْيَاهُمْ بِهِ … أَنْ تَرْحُبَ الدُّنْيَا بِهِمْ مَا تَرْحُبُ

أَلأَمْنُ قَتَّالُ الشَّجَاعَةِ فِيهِمُ … وَحَيَاتُهَا فِيهِمْ مَخَاوِفُ تُرْقَبُ

لاَ يَعْصِمُ الأُمَمَ الضَّعِيفَةَ فِطْرَةً … إِلاَّ فَضَائِلُ بِالتَّجَارِبِ تُكْسَبُ

فَتَكُونُ حَائِطَهَا المَنِيعَ عَلَى الْعِدَى … وَتَكُونُ قُوَّتَهَا الَّتِي لاَ تُغْلَبُ

0