المبغى – بدر شاكر السياب

بغداد مبغى كبير
لاحظ المغنّية
كساعة تتكّ في الجدار
في غرفة الجلوس في محطّة القطار

يا جثة على الثرى مستلقية
الدود فيها موجة من اللهيب و الحرير
بغداد كابوس ردى فاسد
يجرعه الراقد

ساعاته الأيام أيامه الأعوام و العام نير
العام جرح ناغر في الضمير
عيون المها بين الرصافة و الجسر
ثقوب رصاص رقشت صفحة البدر

و يسكب البدر على بغداد
من ثقبي العينين شلالا من الرماد
الدور دار واحدة
و تعصر الدروب كالخيوط كلّها

في قبضة ماردة
تمطّها تشلّها
تحيلها دربا إلى الهجير
و أوجه الحسان كلهنّ وجه ناهدة

حبيبتي التي لعابها عسل
صغيرتي التي أردافها جبل
و صدرها قلل

و نحن في بغداد من طين
يعجنه الخزّاف تمثالا
دنيا كأحلام المجانين

و نحن ألوان على لجها المرتجّ أشلاء و أوصالا
بالأمس كان العيد عيد الزهور
الزاد تحثوه الربى و الخمور

و الرقص و الأغنيات
و الحب و الكركرات
ثم انتهى إلا بقايا طيور

تلتقط الحبّ و إلاّ دماء
مما نماه الحقل طير وشاء
و غير أطفال يطوفون أور

العيد من قال انتهى عيدنا
فلتملأ الدنيا أناشيدنا
فالأرض ما زالت بعيد تدور
بالأمس كان العيد عيد الزهور

و اليوم ما نفعل
نزرع أم نقتل
أهذه بغداد
أم أن عامورة

عادت فكان المعاد
موتا و لكنني في رنّة الأصفاد
أحسست ماذا صوت ناعورة
أم صيحة النّسغ الذي في الجذور

0