أترى الكنانة كيف تعبث بالدم – أحمد محرم

أترى الكنانة كيف تعبث بالدم … الله للشهداء إن لم ترحم

أدنى المراتب في الصبابة عندها … تلف المحب وطول وجد المغرم

تزجي تحيتها فيكذب دونها … أمل الملول ومطمع المتبرم

ضل امرؤٌ قتلته مصر فلم يصن … عهد الولي لها وحق المنعم

معشوقة ٌ يجري مع الدم حبها … في قلب نصرانيها والمسلم

المستبد بنا يريد فنرتضي … ويسومنا خوض الحتوف فنرتمي

الآخذ الشهداء أخذ مناجزٍ … والمستبيح دم الشهيد الأعظم

بعثته مصر مجاهداً ورمت به … فرمت بجيشٍ للفتوح عرمرم

خاض الغمار يهد كل كتيبة ٍ … ويهز رايات الكمي المعلم

متجرداً لله يطلب حقه … ويقيم جانب شعبه المتهدم

فإذا القياصر بالأرائك تتقي … وإذا الأرائك بالقياصر تحتمي

كلٌ له فزعٌ وكلٌ جازعٌ … يبغي القرار ولا قرار لمجرم

الظلم أجمع والأساءة كلها … بغي القوي على الضعيف المرغم

ومن البلية أن يقال لأمة ٍ … تبغي الحياة حذار أن تتقدمي

أعدى الذئاب على الممالك من يرى … أن الشعوب فريسة المتهجم

ويرى الشرائع في عظيم جلالها … سيف المغير ومخلب المتحكم

قل للحضارة بعد حكم دعاتها … برئت دعاتك منك إن لم تظلمي

زولي فإن رمت البقاء لحاجة ٍ … تبغين بعد قضاءها قتلثمي

هل تملكين من الحياة علالة ً … أم تأخذين من الحفاظ بميسم

كوني كعهدك بين قومك إنهم … تركوك غرقى في الحديد وفي الدم

مضت الحضارة في جلال حماتها … ومضوا بأبهة الزمان الأقدم

الرافعين من الممالك شأوها … البالغين بها مكان الأنجم

المتقين الله في ضعفائها … المانعين حمى الذليل المسلم

الجامعين على الهداية أهلها … الصادعين غياهب الزمن العمى

الممطرين الأرض عدلاً كلها … المنبتين بها كبار الأنعم

في دولة ٍ لله عالية الذرى … دعمت بآيات الكتاب المحكم

سطع الزمان بها وحم قضاؤها … فرمى الممالك بالزمان المظلم

يضربن في سبل الغواية والعمى … لا يهتدين إلى السبيل الأقوم

شعبٌ على شعبٍ يجور وأمة ٌ … تلقي على أخرى مخالب ضيغم

يشكو الجريح إلى الجريح وجهده … بث الأسى وتوجع المتألم

فالأرض تسبح في زلازل رجفٍ … والجو يغرق في صواعق رجم

مهلاً دعاة العدل في الأمم التي … صاح الغزاة بشلوها المتقسم

نكيت بكم وأصابها من ظلمكم … بطش العسوف وغضبة المتهضم

هجتم عليها الحادثات ملحة ً … تلوي بأعراف الجمال الجشم

ردوا الأسنة عن حشاشة أمة ٍ … غضبى الفتوح إلى الأسنة تنتمي

زأرت فروعت الشعوب وإنما … ذكرت مفاخر عهدها المنصرم

بعثت إلى أمم السلام رسولها … فأثارها كالمارج المتضرم

حرباً على المتمردين شديدة ً … ترمي بأسراب المنايا الحوم

جوالة الغمرات دائبة القوى … تأتي وتذهب بالقضاء المبرم

هزت يمين محمدٍ بلوائها … ركن السماك وطوحت بالمرزم

حتى إذا هم الأمين بنفسه … دفع اللواء إليه غير مذمم

يا سيد الشهداء بعد رفيقه … أرضيت ربك في جهادك فاغنم

ليس الذي بدأ الجهاد فلم يمت … إلا كبادئ حجة ٍ لم تحتم

والناس في شرف الحياة وعزها … ضدان من ماضٍ وآخر محجم

وأجل ما رزق الرجال همامة ً … تنفي عرام المطلب المتجهم

تتجشم الصعب المخوف وعندها … أن المنية مركب المتجشم

مأوى الممالك والشعوب ومالهم … وصفوك ظلماً بالغريب المعدم

لك من يقينك ثروة ٌ إن قدرت … قيست كنوز العالمين بدرهم

إيمان ذي الإيمان أعظم ثروة ٍ … ويقين ذي الوجدان أفضل منجم

ضج النعاة فضج كل موحدٍ … وارتج ما بين الحطيم وزمزم

وتلفتت مصر لتنظر ما جنت … برلين من حدثٍ عميم المأتم

صدعت ببرقٍ كالصواعق هائلٍ … ورمت بطيرٍ في المشارق أشأم

واستأثرت بك وهي تعرف ضيفها … عرفان محتفل بمثلك مكرم

برلين لا تدعي لضيفك حاجة ً … إلا انبعثت لها بغير تلوم

إن يغتبط بك لا يضع لك قومه … حق الحفي ولا يد المتكرم

أرأيت مطمع فاتحٍ لم ينقلب … وشهدت مصرع فارسٍ لم يهزم

لا تجحديه على التغرب حقه … فإذا جهلت مكانه فتعلمي

إن كنت ملء الجحفلين فإنه … ملء الأسنة والظبى والأسهم

مصر اللبانة لا أصابك ما بها … من مأتمٍ جللٍ وعيشٍ علقم

سئمت مصابرة الخطوب ومن يكن … غرض الحوادث كل يومٍ يسأم

ظمآى إلى ورد الحياة فإن ترد … ترد المنية في لعاب الأرقم

وإذا الممالك أشرقت أجواؤها … نكيت جوانبها بجو أقتم

خطر المهب يموج في متنفسٍ … يرمي بآجال النفوس مسمم

يستعصم الحر الأبي وقد مشى … عزريل بين جوانح المستعصم

بعثوا بصاحبهم يسائل مالنا … فثوى بمنزلة الأصم الأبكم

يبغي البيان وقد مضى مأثوره … ومن القضاء بيان ما لم يكتم

إن الحديث لو استطعنا منعه … حولين موصولين لم نتكلم

يا مصر حسبك ما رضيت من الأذى … وبرئت من ماضيك إن لم تنقم

ذهبت عهود المستبد ذميمة ً … ومضى زمان العاجز المستسلم

إن التي رمت الممالك باعدت … بين المضاجع والشعوب النوم

الأرض تركض بالشعوب حثيثة ً … فامشي على آثارها وترسمي

إن كان قيدك لم يحل فإنه … خلق المريب وشيمة المتوهم

سيري فما بك غير تلك ولا بنا … إلا مراقبة العدى واللوم

يا نازحاً لم نقض حق بلائه … الله جارك فاغتبط وتنعم

وانقض همومك عن فؤادك إننا … نلقى الهموم بكل أغلب أضخم

إن المناكب والنفوس بأسرها … لفداء مصر من المهم المؤلم

ماذا حفظت لأهلها من حرمة ٍ … وقضيت من حق عليك محتم

حيتك مصر على البعاد فحيها … ودعت مسلمة ً عليك فسلم

جاوزت حسن الصنع في خدامها … وكفيت سوء الذكر من لم يخدم

كذب المضلل لن ينالك سعيه … إلا إذا نال السماء بسلم

أقسمت مالك في جهادك مشبه … والحر مؤتمنٌ وإن لم يقسم

ما زلت تسرف في المغارم دائباً … حتى جعلت النفس آخر مغرم

أي القواضب بعدما قطع الظبي … ولوى الأسنة في الوغى لم يثلم

رددت صوتي في الرثاء وإنما … رددت من صوت الكنانة في فمي

حيتك في الملأ العلي وأزلفت … حور الجنان إليك شعر محرم

أسفي لأوبة راحلٍ لم تقضها … عدة المنى وتحية ٍ لم تنظم

0

كلمات: لطفي زيني

ألحان: طلال مداح