سَل يَلدِزًا ذاتَ القُصورِ – أحمد شوقي

سَل (يَلدِزًا) ذاتَ القُصورِ … هَل جاءَها نَبَأُ البُدورْ

لَو تَستَطيعُ إِجابَةً … لَبَكَتكَ بِالدَمعِ الغَزيرْ

أَخنى عَلَيها ما أَنا … خَ عَلى الخَوَرنَقِ وَالسَديرْ

وَدَها الجَزيرَةَ بَعدَ إِسـ … ـماعيلَ وَالمَلِكِ الكَبيرْ

ذَهَبَ الجَميعُ فَلا القُصو … رُ تُرى وَلا أَهلُ القُصورْ

فَلَكٌ يَدورُ سُعودُهُ … وَنُحوسُهُ بِيَدِ المُديرْ

أَينَ الأَوانِسُ في ذُرا … ها مِن مَلائِكَةٍ وَحورْ

المُترَعاتُ مِنَ النَعيـ … ــمِ الراوِياتُ مِنَ السُرورْ

العاثِراتُ مِنَ الدَلا … لِ الناهِضاتُ مِنَ الغُرورْ

الآمِراتُ عَلى الوُلا … ةِ الناهِياتُ عَلى الصُدورْ

الناعِماتُ الطَيِّبا … تُ العَرفِ أَمثالُ الزُهورْ

الذاهِلاتُ عَنِ الزَما … نِ بِنَشوَةِ العَيشِ النَضيرْ

المُشرِفاتُ وَما انتَقَلـ … ـنَ عَلى المَمالِكِ وَالبُحورْ

مِن كُلِّ بَلقيسٍ عَلى … كُرسِيِّ عِزَّتِها الوَثيرْ

أَمضى نُفوذًا مِن زُبَيـ … ـدَةَ في الإِمارَةِ وَالأَميرْ

بَينَ الرَفارِفِ وَالمَشا … رِفِ وَالزَخارِفِ وَالحَريرْ

وَالرَوضُ في حَجمِ الدُنا … وَالبَحرِ في حَجمِ الغَديرْ

وَالدُرِّ مُؤتَلِقِ السَنا … وَالمِسكِ فَيّاحِ العَبيرْ

في مَسكَنٍ فَوقَ السِما … كِ وَفَوقَ غاراتِ المُغيرْ

بَينَ المَعاقِلِ وَالقَنا … وَالخَيلِ وَالجَمِّ الغَفيرْ

سَمَّوهُ يَلدِزَ وَالأُفو … لُ نِهايَةُ النَجمِ المُغيرْ

دارَت عَلَيهِنَّ الدَوا … ئِرُ في المَخادِعِ وَالخُدورْ

أَمسَينَ في رِقِّ العَبيـ … ـلِ وَبِتنَ في أَسرِ العَشيرْ

ما يَنتَهينَ مِنَ الصَلا … ةِ ضَراعَةً وَمِنَ النُذورْ

يَطلُبنَ نُصرَةَ رَبِّهِنَّ … وَرَبُّهُنَّ بِلا نَصيرْ

صَبَغَ السَوادُ حَبيرَهُنَّ … وَكانَ مِن يَقَقِ الحُبورْ

أَنا إِنْ عَجِزتُ فَإِنَّ في … بُردَيَّ أَشعَرَ مِن جَريرْ

خَطبُ الإِمامِ عَلى النَظيـ … مِ يَعُزُّ شَرحًا وَالنَثيرْ

عِظَةُ المُلوكِ وَعِبرَةُ الـ … ـأَيّامِ في الزَمَنِ الأَخيرْ

شَيخُ المُلوكِ وَإِن تَضَع … ضَعَ في الفُؤادِ وَفي الضَميرْ

تَستَغفِرُ المَولى لَهُ … وَاللَهُ يَعفو عَن كَثيرْ

وَنَراهُ عِندَ مُصابِهِ … أَولى بِباكٍ أَو عَذيرْ

وَنَصونُهُ وَنُجِلُّهُ … بَينَ الشَماتَةِ وَالنَكيرْ

عَبدَ الحَميدِ حِسابُ مِثـ … ـلِكَ في يَدِ المَلِكِ الغَفورْ

سُدتَ الثَلاثينَ الطِوا … لَ وَلَسنَ بِالحُكمِ القَصيرْ

تَنهى وَتَأمُرُ ما بَدا … لَكَ في الكَبيرِ وَفي الصَغيرْ

لا تَستَشيرُ وَفي الحِمى … عَدَدُ الكَواكِبِ مِن مُشيرْ

كَم سَبَّحوا لَكَ في الرَوا … حِ وَأَلَّهوكَ لَدى البُكورْ

وَرَأَيتَهُمْ لَكَ سُجَّدًا … كَسُجودِ موسى في الحُضورْ

خَفَضوا الرُؤوسَ وَوَتَّروا … بِالذُلِّ أَقواسَ الظُهورْ

ماذا دَهاكَ مِنَ الأُمو … رِ وَكُنتَ داهِيَةَ الأُمورْ

ما كُنتَ إِنْ حَدَثَتْ وَجَلَّـ … ـت بِالجُزوعِ وَلا العَثور

أَينَ الرَوِيَّةُ وَالأَنا … ةُ وَحِكمَةُ الشَيخِ الخَبيرْ

إِنَّ القَضاءَ إِذا رَمى … دَكَّ القَواعِدِ مِن ثَبيرْ

دَخَلوا السَريرَ عَلَيكَ يَحـ … ـتَكِمونَ في رَبِّ السَريرْ

أَعظِمْ بِهِم مِن آسِريـ … ـــنَ وَبِالخَليفَةِ مِن أَسيرْ

أَسَدٌ هَصورٌ أَنشَبَ الـ … ـأَظفارَ في أَسَدٍ هَصورْ

قالوا اعتَزِل قُلتَ اعتَزَلـ … ـــتُ وَالحُكمُ لِلَّهِ القَديرْ

صَبَروا لِدَولَتِكَ السِنيـ … ـــنَ وَما صَبَرتَ سِوى شُهورْ

أوذيتَ مِن دُستورِهِمْ … وَحَنَنتَ لِلحُكمِ العَسيرْ

وَغَضِبتَ كَالمَنصورِ أَو … هارونَ في خالي العُصورْ

ضَنّوا بِضائِعِ حَقِّهِمْ … وَضَنَنتَ بِالدُنيا الغَرورْ

هَلّا احتَفَظتَ بِهِ احتِفا … ظَ مُرَحِّبٍ فَرِحٍ قَريرْ

هُوَ حِليَةُ المَلِكِ الرَشيـ … ـــدِ وَعِصمَةُ المَلِكِ الغَريرْ

وَبِهِ يُبارِكُ في المَما … لِكِ وَالمُلوكِ عَلى الدُهورْ

يا أَيُّها الجَيشُ الَّذي … لا بِالدَعِيِّ وَلا الفَخورْ

يَخفي فَإِن ريعَ الحِمى … لَفَتَ البَرِيَّةَ بِالظُهورْ

كَاللَيثِ يُسرِفُ في الفِعا … لِ وَلَيسَ يُسرِفُ في الزَئيرْ

الخاطِبُ العَلياءِ بِالـ … ـأَرواحِ غالِيَةِ المُهورْ

عِندَ المُهَيمِنِ ما جَرى … في الحَقِّ مِن دَمِكَ الطَهورْ

يَتلو الزَمانُ صَحيفَةً … غَرّا مُذَهَّبَةَ السُطورْ

في مَدحِ أَنوَرِكَ الجَري … ءِ وَفي نِيازيكَ الجَسورْ

يا شَوكَتَ الإِسلامِ بَل … يا فاتِحَ البَلَدِ العَسيرْ

وَابنَ الأَكارِمِ مِن بَني … عُمَرَ الكَريمِ عَلى البَشيرْ

القابِضينَ عَلى الصَليـ … ـلِ كَجَدِّهِمْ وَعَلى الصَريرْ

هَل كانَ جَدُّكَ في رِدا … ئِكَ يَومَ زَحفِكَ وَالكُرورْ

فَقَنَصَت صَيّادَ الأُسو … دِ وَصِدتَ قَنّاصَ النُسورْ

وَأَخَذتَ يَلدِزَ عَنوَةً … وَمَلَكتَ عَنقاءَ الثُغورْ

المُؤمِنونَ بِمِصرَ يُهـ … ـدونَ السَلامَ إِلى الأَميرْ

وَيُبايِعونَكَ يا مُحَمـ … ـمَدُ في الضَمائِرِ وَالصُدورْ

قَد أَمَّلوا لِهِلالِهِمْ … حَظَّ الأَهِلَّةِ في المَسيرْ

فَابلُغ بِهِ أَوجَ الكَما … لِ بِقُوَّةِ اللَهِ النَصيرْ

أَنتَ الكَبيرُ يُقَلِّدو … نَكَ سَيفَ عُثمانَ الكَبيرْ

شَيخُ الغُزاةِ الفاتِحيـ … ـنَ حُسامُهُ شَيخُ الذُكورْ

يَمضي وَيُغمِدُ بِالهُدى … فَكَأَنَّهُ سَيفُ النَذيرْ

بُشرى الإِمامِ مُحَمَّدٍ … بِخِلافَةِ اللَهِ القَديرْ

بُشرى الخِلافَةِ بِالإِما … مِ العادِلِ النَزِهِ الجَديرْ

الباعِثِ الدُستورَ في الـ … ـإِسلامِ مِن حُفَرِ القُبورْ

أَودى مُعاوِيَةٌ بِهِ … وَبَعَثتَهُ قَبلَ النُشور

فَعَلى الخِلافَةِ مِنكُما … نورٌ تَلَألَأَ فَوقَ نورْ

بِأَبي وَروحي الناعِماتِ الغيدا – أحمد شوقي

بِأَبي وَروحي الناعِماتِ الغيدا … الباسِماتِ عَنِ اليَتيمِ نَضيدَا

الرانِياتِ بِكُلِّ أَحوَرَ فاتِرٍ … يَذُرُ الخَلِيَّ مِنَ القُلوبِ عَميدا

الراوِياتِ مِنَ السُلافِ مَحاجِرًا … الناهِلاتِ سَوالِفًا وَخُدودا

اللاعِباتِ عَلى النَسيمِ غَدائِرًا … الراتِعاتِ مَعَ النَسيمِ قُدودا

أَقبَلنَ في ذَهَبِ الأَصيلِ وَوَشيِهِ … مِلءَ الغَلائِلِ لُؤلُؤًا وَفَريدا

يَحدِجنَ بِالحَدقِ الحَواسِدِ دُميَةً … كَظِباءِ وَجرَةَ مُقلَتَينِ وَجيدا

حَوَتِ الجَمالَ فَلَو ذَهَبتَ تَزيدُها … في الوَهمِ حُسنًا ما استَطَعتَ مَزيدا

لَو مَرَّ بِالوِلدانِ طَيفُ جَمالِها … في الخُلدِ خَرّوا رُكَّعًا وَسُجودا

أَشهى مِنَ العودِ المُرَنَّمِ مَنطِقًا … وَأَلَذُّ مِن أَوتارِهِ تَغريدا

لَو كُنتَ مُطلِقَ السُجَناءِ لَم … تُطلِق لِساحِرِ طَرفِها مَصفودا

ما قَصَّرَ الرُؤَساءُ عَنهُ سَعى لَهُ … سَعدٌ فَكانَ مُوَفَّقًا وَرَشيدا

يا مِصرُ أَشبالُ العَرينِ تَرَعرَعَت … وَمَشَت إِلَيكِ مِنَ السُجونِ أُسودا

قاضى السِياسَةِ نالَهُمْ بِعِقابِهِ … خَشِنَ الحُكومَةِ في الشَبابِ عَتيدا

أَتَتِ الحَوادِثُ دون عَقدِ قَضائِهِ … فَانهارَ بَيِّنَةً وَدُكَّ شَهيدا

تَقضي السِياسَةُ غَيرَ مالِكَةٍ لِما … حَكَمَت بِهِ نَقضًا وَلا تَوكيدا

قالوا أَتَنظُمُ لِلشَبابِ تَحِيَّةً … تَبقى عَلى جيدِ الزَمانِ قَصيدا

قُلتُ الشَبابُ أَتَمُّ عِقدَ مَآثِرٍ … مِن أَن أَزيدَهُمُ الثَناءَ عُقودا

قَبِلَت جُهودَهُمُ البِلادُ وَقَبَّلَت … تاجًا عَلى هاماتِهِمْ مَعقودا

خَرَجوا فَما مَدّوا حَناجِرَهُمْ وَلا … مَنّوا عَلى أَوطانِهِمْ مَجهودا

خَفِيَ الأَساسُ عَنِ العُيونِ تَواضُعًا … مِن بَعدِ ما رَفَعَ البِناءَ مَشيدا

ما كانَ أَفطَنَهُمْ لِكُلُّ خَديعَةٍ … وَلِكُلِّ شَرٍّ بِالبِلادِ أُريدا

لَمّا بَنى اللَهُ القَضِيَّةَ مِنهُمُ … قامَت عَلى الحَقِّ المُبينِ عَمودا

جادوا بِأَيّامِ الشَبابِ وَأَوشَكوا … يَتَجاوَزونَ إِلى الحَياةِ الجودا

طَلَبوا الجَلاءَ عَلى الجِهادِ مَثوبَةً … لَم يَطلُبوا أَجرَ الجِهادِ زَهيدا

وَاللَهِ ما دونَ الجَلاءِ وَيَومِهِ … يَومٌ تُسَمّيهِ الكِنانَةُ عيدا

وَجَدَ السَجينُ يَدًا تُحَطِّمُ قَيدَهُ … مَن ذا يُحَطِّمُ لِلبِلادِ قُيودا

رَبِحَت مِنَ التَصريحِ أَنَّ قُيودَها … قَد صِرنَ مِن ذَهَبٍ وَكُنَّ حَديدا

أَوَ ما تَرونَ عَلى المَنابِعِ عُدَّةً … لا تَنجَلي وَعَلى الضِفافِ عَديدا

يا فِتيَةَ النيلِ السَعيدِ خُذوا المَدى … وَاستَأنِفوا نَفَسَ الجِهادِ مَديدا

وَتَنَكَّبوا العُدوانَ وَاجتَنِبوا الأَذى … وَقِفوا بِمِصرَ المَوقِفَ المَحمودا

الأَرضُ أَليَقُ مَنزِلًا بِجَماعَةٍ … يَبغونَ أَسبابَ السَماءِ قُعودا

أَنتُم غَدًا أَهلُ الأُمورِ وَإِنَّما … كُنّا عَلَيكُم في الأُمورِ وُفودا

فَابنوا عَلى أُسُسِ الزَمانِ وَروحِهِ … رُكنَ الحَضارَةِ باذِخًا وَشَديدا

الهَدمُ أَجمَلُ مِن بِنايَةِ مُصلِحٍ … يَبني عَلى الأُسُسِ العِتاقِ جَديدا

وَجهُ الكِنانَةِ لَيسَ يُغضِبُ رَبَّكُمْ … أَن تَجعَلوهُ كَوَجهِهِ مَعبودا

وَلّوا إِلَيهِ في الدُروسِ وُجوهَكُمْ … وَإِذا فَرَغتُمُ وَاعبُدوهُ هُجودا

إِنَّ الَّذي قَسَمَ البِلادَ حَباكُمُ … بَلَدًا كَأَوطانِ النُجومِ مَجيدا

قَد كانَ وَالدُنيا لُحودٌ كُلُّها … لِلعَبقَرِيَّةِ وَالفُنونِ مُهودا

مَجدُ الأُمورِ زَوالُهُ في زَلَّةٍ … لا تَرجُ لِاسمِكَ بِالأُمورِ خُلودا

الفَردُ بِالشورى وَبِاسمِ نَدِيِّها … لُفِظَ الخَليفَةُ في الظَلامِ شَريدا

خَلَعَتهُ دونَ المُسلِمينَ عِصابَةٌ … لَم يَجعَلوا لِلمُسلِمينَ وُجودا

يَقضونَ ذَلِكَ عَن سَوادٍ غافِلٍ … خُلِقَ السَوادُ مُضَلَّلًا وَمَسودا

جَعَلوا مَشيئَتَهُ الغَبِيَّةَ سُلَّمًا … نَحوَ الأُمورِ لِمَن أَرادَ صُعودا

إِنّي نَظَرتُ إِلى الشُعوبِ فَلَم أَجِد … كَالجَهلِ داءً لِلشُعوبِ مُبيدا

الجَهلُ لا يَلِدُ الحَياةَ مَواتُهُ … إِلّا كَما تَلِدُ الرِمامُ الدودا

لَم يَخلُ مِن صُوَرِ الحَياةِ وَإِنَّما … أَخطاهُ عُنصُرُها فَماتَ وَليدا

وَإِذا سَبى الفَردُ المُسَلَّطُ مَجلِسًا … أَلفَيتَ أَحرارَ الرِجالِ عَبيدا

وَرَأَيتَ في صَدرِ النَدِيِّ مُنَوَّمًا … في عُصبَةٍ يَتَحَرَّكونَ رُقودا

الحَقُّ سَهمٌ لا تَرِشهُ بِباطِلٍ … ما كانَ سَهمُ المُبطِلينَ سَديدا

وَالعَب بِغَيرِ سِلاحِهِ فَلَرُبَّما … قَتَلَ الرِجالَ سِلاحُهُ مَردودا

دمشق – أحمد شوقي

سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ … وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ

وَمَعذِرَةُ اليَراعَةِ وَالقَوافي … جَلالُ الرُزءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ

وَذِكرى عَن خَواطِرِها لِقَلبي … إِلَيكِ تَلَفُّتٌ أَبَدًا وَخَفقُ

وَبي مِمّا رَمَتكِ بِهِ اللَيالي … جِراحاتٌ لَها في القَلبِ عُمقُ

دَخَلتُكِ وَالأَصيلُ لَهُ اِئتِلاقٌ … وَوَجهُكِ ضاحِكُ القَسَماتِ طَلقُ

وَتَحتَ جِنانِكِ الأَنهارُ تَجري … وَمِلءُ رُباكِ أَوراقٌ وَوُرْقُ

وَحَولي فِتيَةٌ غُرٌّ صِباحٌ … لَهُم في الفَضلِ غاياتٌ وَسَبقُ

عَلى لَهَواتِهِم شُعَراءُ لُسنٌ … وَفي أَعطافِهِم خُطَباءُ شُدقُ

رُواةُ قَصائِدي فَاعجَب لِشِعرٍ … بِكُلِّ مَحَلَّةٍ يَرويهِ خَلقُ

غَمَزتُ إِباءَهُمْ حَتّى تَلَظَّتْ … أُنوفُ الأُسدِ وَاضطَرَمَ المَدَقُّ

وَضَجَّ مِنَ الشَكيمَةِ كُلُّ حُرٍّ … أَبِيٍّ مِن أُمَيَّةَ فيهِ عِتقُ

لَحاها اللهُ أَنباءً تَوالَتْ … عَلى سَمعِ الوَلِيِّ بِما يَشُقُّ

يُفَصِّلُها إِلى الدُنيا بَريدٌ … وَيُجمِلُها إِلى الآفاقِ بَرقُ

تَكادُ لِرَوعَةِ الأَحداثِ فيها … تُخالُ مِنَ الخُرافَةِ وَهيَ صِدقُ

وَقيلَ مَعالِمُ التاريخِ دُكَّتْ … وَقيلَ أَصابَها تَلَفٌ وَحَرقُ

أَلَستِ دِمَشقُ لِلإِسلامِ ظِئرًا … وَمُرضِعَةُ الأُبُوَّةِ لا تُعَقُّ

صَلاحُ الدينِ تاجُكَ لَم يُجَمَّلْ … وَلَمْ يوسَمْ بِأَزيَنَ مِنهُ فَرقُ

وَكُلُّ حَضارَةٍ في الأَرضِ طالَتْ … لَها مِن سَرحِكِ العُلوِيِّ عِرقُ

سَماؤُكِ مِن حُلى الماضي كِتابٌ … وَأَرضُكِ مِن حُلى التاريخِ رَقُّ

بَنَيتِ الدَولَةَ الكُبرى وَمُلكًا … غُبارُ حَضارَتَيهِ لا يُشَقُّ

لَهُ بِالشامِ أَعلامٌ وَعُرسٌ … بَشائِرُهُ بِأَندَلُسٍ تَدُقُّ

رُباعُ الخلدِ وَيحَكِ ما دَهاها … أَحَقٌّ أَنَّها دَرَسَت أَحَقُّ

وَهَل غُرَفُ الجِنانِ مُنَضَّداتٌ … وَهَل لِنَعيمِهِنَّ كَأَمسِ نَسقُ

وَأَينَ دُمى المَقاصِرِ مِن حِجالٍ … مُهَتَّكَةٍ وَأَستارٍ تُشَقُّ

بَرَزنَ وَفي نَواحي الأَيكِ نارٌ … وَخَلفَ الأَيكِ أَفراخٌ تُزَقُّ

إِذا رُمنَ السَلامَةَ مِن طَريقٍ … أَتَت مِن دونِهِ لِلمَوتِ طُرقُ

بِلَيلٍ لِلقَذائِفِ وَالمَنايا … وَراءَ سَمائِهِ خَطفٌ وَصَعقُ

إِذا عَصَفَ الحَديدُ احمَرَّ أُفقٌ … عَلى جَنَباتِهِ وَاسوَدَّ أُفقُ

سَلي مَن راعَ غيدَكِ بَعدَ وَهنٍ … أَبَينَ فُؤادِهِ وَالصَخرِ فَرقُ

وَلِلمُستَعمِرينَ وَإِن أَلانوا … قُلوبٌ كَالحِجارَةِ لا تَرِقُّ

رَماكِ بِطَيشِهِ وَرَمى فَرَنسا … أَخو حَربٍ بِهِ صَلَفٌ وَحُمقُ

إِذاما جاءَهُ طُلّابُ حَقٍّ … يَقولُ عِصابَةٌ خَرَجوا وَشَقّوا

دَمُ الثُوّارِ تَعرِفُهُ فَرَنسا … وَتَعلَمُ أَنَّهُ نورٌ وَحَقُّ

جَرى في أَرضِها فيهِ حَياةٌ … كَمُنهَلِّ السَماءِ وَفيهِ رِزقُ

بِلادٌ ماتَ فِتيَتُها لِتَحيا … وَزالوا دونَ قَومِهِمُ لِيَبقوا

وَحُرِّرَتِ الشُعوبُ عَلى قَناها … فَكَيفَ عَلى قَناها تُستَرَقُّ

بَني سورِيَّةَ اطَّرِحوا الأَماني … وَأَلقوا عَنكُمُ الأَحلامَ أَلقوا

فَمِن خِدَعِ السِياسَةِ أَن تُغَرّوا … بِأَلقابِ الإِمارَةِ وَهيَ رِقُّ

وَكَمْ صَيَدٍ بَدا لَكَ مِن ذَليلٍ … كَما مالَتْ مِنَ المَصلوبِ عُنقُ

فُتوقُ المُلكِ تَحدُثُ ثُمَّ تَمضي … وَلا يَمضي لِمُختَلِفينَ فَتقُ

نَصَحتُ وَنَحنُ مُختَلِفونَ دارًا … وَلَكِن كُلُّنا في الهَمِّ شَرقُ

وَيَجمَعُنا إِذا اختَلَفَت بِلادٌ … بَيانٌ غَيرُ مُختَلِفٍ وَنُطقُ

وَقَفتُمْ بَينَ مَوتٍ أَو حَياةٍ … فَإِن رُمتُمْ نَعيمَ الدَهرِ فَاشْقَوا

وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ … يَدٌ سَلَفَت وَدَينٌ مُستَحِقُّ

وَمَن يَسقى وَيَشرَبُ بِالمَنايا … إِذا الأَحرارُ لَم يُسقوا وَيَسقوا

وَلا يَبني المَمالِكَ كَالضَحايا … وَلا يُدني الحُقوقَ وَلا يُحِقُّ

فَفي القَتلى لِأَجيالٍ حَياةٌ … وَفي الأَسرى فِدًى لَهُمُ وَعِتقُ

وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ … بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ

جَزاكُمْ ذو الجَلالِ بَني دِمَشقٍ … وَعِزُّ الشَرقِ أَوَّلُهُ دِمَشقُ

نَصَرتُمْ يَومَ مِحنَتِهِ أَخاكُمْ … وَكُلُّ أَخٍ بِنَصرِ أَخيهِ حَقُّ

وَما كانَ الدُروزُ قَبيلَ شَرٍّ … وَإِن أُخِذوا بِما لَم يَستَحِقّوا

وَلَكِن ذادَةٌ وَقُراةُ ضَيفٍ … كَيَنبوعِ الصَفا خَشُنوا وَرَقُّوا

لَهُم جَبَلٌ أَشَمُّ لَهُ شَعافٌ … مَوارِدُ في السَحابِ الجُونِ بُلقُ

لِكُلِّ لَبوءَةٍ وَلِكُلِّ شِبلٍ … نِضالٌ دونَ غايَتِهِ وَرَشقُ

كَأَنَّ مِنَ السَمَوأَلِ فيهِ شَيئًا … فَكُلُّ جِهاتِهِ شَرَفٌ وَخَلقُ

سينية – أحمد شوقي

اختلاف النهار والليل ينسي … اذكرا لي الصبا وأيام أنسي

وصفا لي ملاوة من شباب … صورت من تصورات ومس

عصفت كالصبا اللعوب ومرت … سنة حـلوة ولذة خلس

وسلا مصر: هل سلا القلب عنها … أو أسا جرحه الزمان المؤسي

كلما مرت الـليالـي عليه … رق، والعهد فـي الليالي تقسي

مستطار إذا البواخر رنت … أول الليل، أو عوت بعد جرس

راهب في الضلوع للسفن فطن … كلما ثرن شاعهن بنقس

يا ابنة اليم، ما أبـوك بـخيل … ماله مولعاً بمنع وحبس

أحرام على بلابـله الدوح … حلال للطير من كل جنس؟

كل دار أحق بالأهل إلا … في خبيث من المذاهب رجس

نفسي مرجل، وقلبي شراع … بهما في الدموع سيري وأرسي

واجعلي وجهك (الفنار) ومجراك … يـد (الثغر) بـين (رمل) و(مكس)

وطـني لو شغلت بالخلد عنه … نازعتني إليه في الخلد نفسي

وهـفا بالفؤاد في سلسبيل … ظمأ للسواد مـن (عين شمس)

شهد الله لم يغب عن جـفوني … شخصه ساعة ولم يخل حسي

يا فؤادي لكل أمر قرار … فيه يبدو وينجلي بعد لبس

عقلت لجة الأمور عقولاً … طالت الحوت طول سبح وغس

غرقت حيث لا يصاح بطاف … أو غريق، ولا يصاخ لحس

فلـك يكسف الشموس نـهـاراً … ويسوم البدور ليلة وكس

ومواقيت للأمور إذا ما … بلغتها الأمور صارت لعكس

دول كالرجال مرتهنـات … بقيام من الجدود وتعس

وليال من كل ذات سوار … لطمت كل رب (روم) و(فرس)

سددت بالهلال قوساً وسلت … خنجراً ينفذان من كل ترس

حكمت في القرون (خوفو) و(دارا) … وعفت (وائلاً) وألوت (بعبس)

أين (مروان) في المشارق عرش … أموي وفي الـمغارب كرسي؟

سقمت شمسهم فرد عليها … نورها كل ثاقب الرأي نطس

ثم غابت وكل شمس سوى هاتيك … تبلى، وتنطوي تحت رمس

وعظ (البحتري) إيـوان (كسرى) … شفتني القصور من (عبد شمس)

رب ليل سريت والبرق طرفي … وبساط طويت والريح عنسي

أنظم الشرق في (الجزيرة) بالغرب … وأطوي البلاد حزنـاً لدهس

في ديار من الخلائف درس … ومـنار من الطوائف طمس

وربى كالجنان في كنف الزيتون … خضر، وفي ذرا الكرم طلس

لم يرعـني سوى ثرى قرطبي … لمست فيه عبرة الدهر خمسي

يا وقى الله ما أصبح منه … وسقى صفوت الحيا ما أمسي

قرية لا تعد في الأرض كنت … تمسك الأرض أن تميد وترسي

غشيت ساحل المحيط وغطت … لجة الروم من شراع وقلس

ركب الدهر خاطري في ثراها … فأتى ذلك الحمى بــعد حدس

فتجلت لي القصور ومن فيها … من العز في منازل قعس

سنة من كرى وطيف أمـان … وصحا القلب مـن ضلال وهجس

وإذا الدار ما بها من أنيس … وإذا القوم ما لهم من محس

ورقيق من البيوت عتيق … جاوز الألف غير مذموم حرس

أثر من (محمد) وتراث … صار (للروح) ذي الولاء الأمس

بلغ النجم ذروة وتناهى … بين (ثهلان) في الأساس و(قدس)

مرمر تسبح النواظر فيه … ويطول المدى عليها فترسي

وسوار كأنها في استواء … ألفات الوزير في عرض طرس

فترة الدهر قد كست سطريها … ما اكتسى الهدب من فتور ونعس

ويحها كم تزينت لعليم … واحد الدهر واستعدت لخمس

وكأن الرفيف في مسرح العين … ملاء مدنرات الدمقس

ومكان الكتاب يغريك رياً … ورده غائباً فتدنو للمس

صنعة (الداخل) المبارك في … الغرب وآل له ميامين شمس

من (لحمراء) جللت بغبار … الدهر كالجرح بين بـرء ونكس

كسنا البرق لو محا الضوء لحظاً … لمحتها العيون من طول قبس

حصن (غرناطة) ودار بني الأحمر … من غافل ويقظان ندس

جلل الثلج دونها رأس (شيرى) … فبدا منه في عـصائب برس

سرمد شيبه، ولم أر شيئاً … قبله يـرجى البقاء وينسي

مشت الحادثات في غرف (الحمراء) … مشي النعي في دار عرس

هتكت عزة الحجاب وفضت … سدة الباب من سمير وأنسي

عرصات تخلت الخيل عنها … واستراحت من احتراس وعس

ومغان على الليالي وضاء … لم تجد للعشي تكرار مس

لا ترى غير وافدين على التاريخ … ساعين في خشوع ونكس

نقلوا الطـرف في نضارة آس … من نقوش، وفي عصارة ورس

وقباب من لازورد وتبر … كالربى الشم بين ظل وشمس

وخطوط تكفلت للمعاني … ولألفاظها بأزيـن لبس

وترى مجلس السباع خلاء … مقفر القاع من ظباء وخنس

لا (الثريا) ولا جواري الثريا … يتنزلن فيه أقمار إنس

مرمر قامت الأسود عليه … كلة الظفر لينات المجس

تنثر الماء في الحياض جماناً … يـتنزى على ترائب ملس

آخر العهد بالجزيرة كانت … بعد عرك من الزمان وضرس

فتراها تقول: راية جيش … باد بالأمس بـين أسر وحـس

ومفاتيحها مقاليد ملك … باعها الوارث المضـيع ببخس

خرج القوم في كتائب صم … عن حفاظ كموكب الدفن خرس

ركبوا بالبحار نعشاً وكانت … تحت آبائهم هي العرش أمس

رب بان لهادم، وجموع … لمشت ومحسن لمخس

إمرة الناس همة لا تأنى … لجبــان ولا تسنى لجبس

يا دياراً نزلت كالخلد ظلاً … وجـنى دانياً وسلسال أنس

محسنات الفصول لا نـاجر فيها … بقيظ ولا جمادى بـقرس

لا تحش العيون فوق ربــاها … غير حور حو المراشف لعس

كسيت أفرخي بظلك ريشاً … وربا في رباك واشتد غرسي

هم بنو مصر لا الجميل لديهم … بمضاع ولا الصنيع بمنسي

من لسان على ثنائك وقف … وجنان على ولائك حبس

حسبهم هذه الطلول عظات … من جديد على الدهور ودرس

وإذا فاتك التفات إلى الماضي … فقد غاب عنك وجه التأسي

أُعدَّتِ الراحةُ الكُبرى لِمن تعِبا – أحمد شوقي

أُعِدَّتِ الراحَةُ الكُبرى لِمَن تَعِبا … وَفازَ بِالحَقِّ مَن يَألُهُ طَلَبا

وَما قَضَت مِصرُ مِن كُلِّ لُبانَتَها … حَتّى تَجُرَّ ذُيولَ الغِبطَةِ القُشُبا

في الأَمرِ ما فيهِ مِن جِدٍّ فَلا تَقِفوا … مِن واقِعٍ جَزَعاً أَو طائِرٍ طَرَبا

لا تُثبِتُ العَينُ شَيئاً أَو تُحَقِّقُهُ … إِذا تَحَيَّرَ فيها الدَمعُ وَاِضطَرَبا

وَالصُبحُ يُظلِمُ في عَينَيكِ ناصِعُهُ … إِذا سَدَلتَ عَلَيكَ الشَكَّ وَالرِيَبا

إِذا طَلَبتَ عَظيماً فَاِصبِرَنَّ لَهُ … أَو فَاِحشُدَنَّ رِماحَ الخَطِّ وَالقُضُبا

وَلا تُعِدَّ صَغيراتِ الأُمورِ لَهُ … إِنَّ الصَغائِرَ لَيسَت لِلعُلا أُهُبا

وَلَن تَرى صُحبَةً تُرضى عَواقِبُها … كَالحَقِّ وَالصَبرِ في أَمرٍ إِذا اِصطَحَبا

إِنَّ الرِجالَ إِذا ما أُلجِئوا لَجَئوا … إِلى التَعاوُنِ فيما جَلَّ أَو حَزَبا

لا رَيبَ أَنَّ خُطا الآمالِ واسِعَةٌ … وَأَنَّ لَيلَ سُراها صُبحُهُ اِقتَرَبا

وَأَنَّ في راحَتَي مِصرٍ وَصاحِبِها … عَهداً وَعَقداً بِحَقٍّ كانَ مُغتَصَبا

قَد فَتَّحَ اللَهُ أَبواباً لَعَلَّ لَنا … وَراءَها فُسَحَ الآمالِ وَالرُحُبا

لَولا يَدُ اللَهِ لَم نَدفَع مَناكِبَها … وَلَم نُعالِج عَلى مِصراعِها الأَرَبا

لا تَعدَمُ الهِمَّةُ الكُبرى جَوائِزَها … سِيّانِ مَن غَلَبَ الأَيّامَ أَو غُلِبا

وَكُلُّ سَعيٍ سَيَجزي اللَهُ ساعِيَهُ … هَيهاتَ يَذهَبُ سَعيَ المُحسِنينَ هَبا

لَم يُبرِمِ الأَمرَ حَتّى يَستَبينَ لَكُم … أَساءَ عاقِبَةً أَم سَرَّ مُنقَلَبا

نِلتُم جَليلاً وَلا تُعطونَ خَردَلَةً … إِلّا الَّذي دَفَعَ الدُستورُ أَو جَلَبا

تَمَهَّدَت عَقَباتٌ غَيرُ هَيِّنَةٍ … تَلقى رُكابُ السُرى مِن مِثلِها نَصَبا

وَأَقبَلَت عَقَباتٌ لا يُذَلِّلُها … في مَوقِفِ الفَصلِ إِلّا الشَعبُ مُنتَخَبا

لَهُ غَداً رَأيُهُ فيها وَحِكمَتُهُ … إِذا تَمَهَّلَ فَوقَ الشَوكِ أَو وَثَبا

كَم صَعَّبَ اليَومُ مِن سَهلٍ هَمَمتَ بِهِ … وَسَهَّلَ الغَدُ في الأَشياءِ ما صَعُبا

ضَمّوا الجُهودَ وَخَلوُها مُنَكَّرَةً … لا تَملَئوا الشَدقَ مِن تَعريفِها عَجَبا

أَفي الوَغى وَرَحى الهَيجاءِ دائِرَةٌ … تُحصونَ مَن ماتَ أَو تُحصونَ ما سُلِبا

خَلّوا الأَكاليلَ لِلتاريخِ إِنَّ لَهُ … يَداً تُؤَلِّفُها دُرّاً وَمَخشَلَبا

أَمرُ الرِجالِ إِلَيهِ لا إِلى نَفَرٍ … مِن بَينِكُم سَبَقَ الأَنباءَ وَالكُتُبا

أَملى عَلَيهِ الهَوى وَالحِقدُ فَاِندَفَعَت … يَداهُ تَرتَجِلانِ الماءَ وَاللَهَبا

إِذا رَأَيتَ الهَوى في أُمَّةٍ حَكَماً … فَاِحكُم هُنالِكَ أَنَّ العَقلَ قَد ذَهَبا

قالوا الحِمايَةُ زالَت قُلتُ لا عَجَبٌ … بَل كانَ باطِلُها فيكُم هُوَ العَجَبا

رَأسُ الحِمايَةِ مَقطوعٌ فَلا عَدِمَت … كِنانَةُ اللَهِ حَزماً يَقطَعُ الذَنَبا

لَو تَسأَلونَ أَلِنبي يَومَ جَندَلَها … بِأَيِّ سَيفٍ عَلى يافوخِها ضَرَبا

أَبا الَّذي جَرَّ يَومَ السِلمِ مُتَّشِحاً … أَم بِالَّذي هَزَّ يَومَ الحَربِ مُختَضِبا

أَم بِالتَكاتُفِ حَولَ الحَقِّ في بَلَدٍ … مِن أَربَعينَ يُنادي الوَيلَ وَالحَرَبا

يا فاتِحَ القُدسِ خَلِّ السَيفَ ناحِيَةً … لَيسَ الصَليبُ حَديداً كانَ بَل خَشَبا

إِذا نَظَرتَ إِلى أَينَ اِنتَهَت يَدُهُ … وَكَيفَ جاوَزَ في سُلطانِهِ القُطُبا

عَلِمتَ أَنَّ وَراءَ الضَعفِ مَقدِرَةً … وَأَنَّ لِلحَقِّ لا لِلقُوَّةِ الغَلَبا

بِسيفكَ يعلو الحقُّ والحقُّ أغلبُ – أحمد شوقي

بِسَيفِكَ يَعلو الحَقُّ وَالحَقُّ أَغلَبُ … وَيُنصَرُ دينُ اللَهِ أَيّانَ تَضرِبُ

وَما السَيفُ إِلّا آيَةُ المُلكِ في الوَرى … وَلا الأَمرُ إِلّا لِلَّذي يَتَغَلَّبُ

فَأَدِّب بِهِ القَومَ الطُغاةَ فَإِنَّهُ … لَنِعمَ المَرَبي لِلطُغاةِ المُؤَدِّبُ

وَداوِ بِهِ الدولاتِ مِن كُلِّ دائِها … فَنِعمَ الحُسامُ الطِبُّ وَالمُتَطَبِّبُ

تَنامُ خُطوبُ المُلكِ إِن باتَ ساهِراً … وَإِن هُوَ نامَ اِستَيقَظَت تَتَأَلَّبُ

أَمِنّا اللَيالي أَن نُراعَ بِحادِثٍ … وَأَرمينيا ثَكلى وَحَورانَ أَشيَبُ

وَمَملَكَةُ اليونانِ مَحلولَةُ العُرى … رَجاؤُكَ يُعطيها وَخَوفُكَ يُسلَبُ

هَدَدتَ أَميرَ المُؤمِنينَ كَيانَها … بِأَسطَعَ مِثلِ الصُبحِ لا يَتَكَذَّبُ

وَمازالَ فَجراً سَيفُ عُثمانَ صادِقاً … يُساريهِ مِن عالي ذَكائِكَ كَوكَبُ

إِذا ما صَدَعتَ الحادِثاتِ بِحَدِّهِ … تَكَشَّفَ داجي الخَطبِ وَاِنجابَ غَيهَبُ

وَهابَ العِدا فيهِ خِلافَتَكَ الَّتي … لَهُم مَأرَبٌ فيها وَلِلَّهِ مَأرَبُ

سَما بِكَ يا عَبدَ الحَميدِ أُبُوَّةٌ … ثَلاثونَ خُضّارُ الجَلالَةِ غُيَّبُ

قَياصِرُ أَحياناً خَلائِفُ تارَةً … خَواقينُ طَوراً وَالفَخارُ المُقَلَّبُ

نُجومُ سُعودِ المَلكِ أَقمارُ زُهرِهِ … لَوَ اَنَّ النُجومَ الزُهرَ يَجمَعُها أَبُ

تَواصَوا بِهِ عَصراً فَعَصراً فَزادَهُ … مُعَمَّمُهُم مِن هَيبَةٍ وَالمُعَصَّبُ

هُمُ الشَمسُ لَم تَبرَح سَماواتِ عِزِّها … وَفينا ضُحاها وَالشُعاعُ المُحَبَّبُ

نَهَضتَ بِعَرشٍ يَنهَضُ الدَهرُ بِهِ … خُشوعاً وَتَخشاهُ اللَيالي وَتَرهَبُ

مَكينٍ عَلى مَتنِ الوُجودِ مُؤَيَّدٍ … بِشَمسِ اِستِواءٍ مالَها الدَهرَ مَغرِبُ

تَرَقَّت لَهُ الأَسواءُ حَتّى اِرتَقَيتَهُ … فَقُمتَ بِها في بَعضِ ما تَتَنَكَّبُ

فَكُنتَ كَعَينٍ ذاتِ جَريٍ كَمينَةٍ … تَفيضُ عَلى مَرِّ الزَمانِ وَتَعذُبُ

مُوَكَّلَةٍ بِالأَرضِ تَنسابُ في الثَرى … فَيَحيا وَتَجري في البِلادِ فَتُخضِبُ

فَأَحيَيتَ مَيتاً دارِسَ الرَسمِ غابِراً … كَأَنَّكَ فيما جِئتَ عيسى المُقَرَّبُ

وَشِدتَ مَناراً لِلخِلافَةِ في الوَرى … تُشَرِّقُ فيهِم شَمسُهُ وَتُغَرِّبُ

سَهِرتَ وَنامَ المُسلِمونَ بِغَبطَةٍ … وَما يُزعِجُ النُوّامَ وَالساهِرُ الأَبُ

فَنَبَّهَنا الفَتحُ الَّذي ما بِفَجرِهِ … وَلا بِكَ يا فَجرَ السَلامِ مُكَذِّبُ

حُسامُكَ مِن سُقراطَ في الخَطبِ أَخطَبُ … وَعودُكَ مِن عودِ المَنابِرِ أَصلَبُ

وَعَزمُكَ مِن هوميرَ أَمضى بَديهَةً … وَأَجلى بَياناً في القُلوبِ وَأَعذَبُ

وَإِن يَذكُروا إِسكَندَراً وَفُتوحَهُ … فَعَهدُكَ بِالفَتحِ المُحَجَّلِ أَقرَبُ

وَمُلكُكَ أَرقى بِالدَليلِ حُكومَةً … وَأَنفَذُ سَهماً في الأُمورِ وَأَصوَبُ

ظَهَرتَ أَميرَ المُؤمِنينَ عَلى العِدا … ظُهوراً يَسوءُ الحاسِدينَ وَيُتعِبُ

سَلِ العَصرَ وَالأَيّامَ وَالناسَ هَل نَبا … لِرَأيِكَ فيهِم أَو لِسَيفِكَ مَضرِبُ

هُمُ مَلَئوا الدُنيا جَهاماً وَراءَهُ … جَهامٌ مِنَ الأَعوانِ أَهذى وَأَكذَبُ

فَلَمّا اِستَلَلتَ السَيفَ أَخلَبَ بَرقُهُم … وَما كُنتَ يا بَرقَ المَنِيَّةِ تُخلِبُ

أَخَذتَهُمُ لا مالِكينَ لِحَوضِهِم … مِنَ الذَودِ إِلّا ما أَطالوا وَأَسهَبوا

وَلم يَتَكَلَّف قَومُكَ الأُسدُ أُهبَةً … وَلَكِنَّ خُلقاً في السِباعِ التَأَهُّبُ

كَذا الناسُ بِالأَخلاقِ يَبقى صَلاحُهُم … وَيَذهَبُ عَنهُم أَمرُهُم حينَ تَذهَبُ

وَمِن شَرَفِ الأَوطانِ أَلّا يَفوتَها … حُسامٌ مُعِزٌّ أَو يَراعٌ مُهَذَّبُ

مَلَكتَ سَبيلَيهِم فَفي الشَرقِ مَضرِبٌ … لِجَيشِكَ مَمدودٌ وَفي الغَربِ مَضرِبُ

ثَمانونَ أَلفاً أُسدُ غابٍ ضَراغِمٌ … لَها مِخلَبٌ فيهِم وَلِلمَوتِ مَخلِبُ

إِذا حَلِمَت فَالشَرُّ وَسنانُ حالِمٌ … وَإِن غَضِبَت فَالشَرُّ يَقظانُ مُغضِبُ

فَيالِقُ أَفشى في البِلادِ مِنَ الضُحى … وَأَبعَدُ مِن شَمسِ النَهارِ وَأَقرَبُ

وَتُصبِحُ تَلقاهُم وَتُمسي تَصُدُّهُم … وَتَظهَرُ في جِدِّ القِتالِ وَتَلعَبُ

تَلوحُ لَهُم في كُلِّ أُفقٍ وَتَعتَلي … وَتَطلُعُ فيهِم مِن مَكانٍ وَتَغرُبُ

وَتُقدِمُ إِقدامَ اللُيوثِ وَتَنثَني … وَتُدبِرُ عِلماً بِالوَغى وَتُعَقِّبُ

وَتَملِكُ أَطرافَ الشِعابِ وَتَلتَقي … وَتَأخُذُ عَفواً كُلَّ عالٍ وَتَغصِبُ

وَتَغشى أَبِيّاتِ المَعاقِلِ وَالذُرا … فَثَيِّبُهُنَّ البِكرُ وَالبِكرُ ثَيِّبُ

يَقودُ سَراياها وَيَحمي لِواءَها … سَديدُ المَرائي في الحُروبِ مُجَرِّبُ

يَجيءُ بِها حيناً وَيَرجِعُ مَرَّةً … كَما تَدفَعُ اللَجَّ البِحارُ وَتَجذِبُ

وَيَرمي بِها كَالبَحرِ مِن كُلِّ جانِبٍ … فَكُلُّ خَميسٍ لُجَّةٌ تَتَضَرَّبُ

وَيُنفِذُها مِن كُلِّ شِعبٍ فَتَلتَقي … كَما يَتَلاقى العارِضُ المُتَشَعِّبُ

وَيَجعَلُ ميقاتاً لَها تَنبَري لَهُ … كَما دارَ يَلقى عَقرَبَ السَيرِ عَقرَبُ

فَظَلَّت عُيونُ الحَربِ حَيرى لِما تَرى … نَواظِرَ ما تَأتي اللُيوثُ وَتُغرِبُ

تُبالِغُ بِالرامي وَتَزهو بِما رَمى … وَتُعجَبُ بِالقُوّادِ وَالجُندُ أَعجَبُ

وَتُثني عَلى مُزجي الجُيوشِ بِيَلدِزٍ … وَمُلهِمِها فيما تَنالُ وَتَكسِبُ

وَما المُلكُ إِلّا الجَيشُ شَأناً وَمَظهَراً … وَلا الجَيشُ إِلّا رَبُّهُ حينَ يُنسَبُ

تُحَذِّرُني مِن قَومِها التُركِ زَينَبُ … وَتُعجِمُ في وَصفِ اللُيوثِ وَتُعرِبُ

وَتُكثِرُ ذِكرَ الباسِلينَ وَتَنثَني … بِعِزٍّ عَلى عِزِّ الجَمالِ وَتُعجَبُ

وَتَسحَبُ ذَيلَ الكِبرِياءِ وَهَكَذا … يَتيهُ وَيَختالُ القَوِيُّ المُغَلِّبُ

وَزَينَبُ إِن تاهَت وَإِن هِيَ فاخَرَت … فَما قَومُها إِلّا العَشيرُ المُحَبَّبُ

يُؤَلِّفُ إيلامُ الحَوادِثِ بَينَنا … وَيَجمَعُنا في اللَهِ دينٌ وَمَذهَبُ

نَما الوُدُّ حَتّى مَهَّدَ السُبلَ لِلهَوى … فَما في سَبيلِ الوَصلِ ما يُتَصَعَّبُ

وَدانى الهَوى ما شاءَ بَيني وَبَينَها … فَلَم يَبقَ إِلّا الأَرضُ وَالأَرضُ تَقرُبُ

رَكِبتُ إِلَيها البَحرَ وَهوَ مَصيدَةٌ … تُمَدُّ بِها سُفنُ الحَديدِ وَتُنصَبُ

تَروحُ المَنايا الزُرقُ فيهِ وَتَغتَدي … وَما هِيَ إِلّا المَوجُ يَأتي وَيَذهَبُ

وَتَبدو عَلَيهِ الفُلكُ شَتّى كَأَنَّها … بُؤوزٌ تُراعيها عَلى البُعدِ أَعقُبُ

حَوامِلُ أَعلامِ القَياصِرِ حُضرٌ … عَلَيها سَلاطينُ البَرِيَّةِ غُيَّبُ

تُجاري خُطاها الحادِثاتِ وَتَقتَفي … وَتَطفو حَوالَيها الخُطوبُ وَتَرسُبُ

وَيوشِكُ يَجري الماءُ مِن تَحتِها دَماً … إِذا جَمَعَت أَثقالَها تَتَرَقَّبُ

فَقُلتُ أَأَشراطُ القِيامَةِ ما أَرى … أَمِ الحَربُ أَدنى مِن وَريدٍ وَأَقرَبُ

أَماناً أَماناً لُجَّةَ الرومِ لِلوَرى … لَوَ اَنَّ أَماناً عِندَ دَأماءَ يُطلَبُ

كَأَنّي بِأَحداثِ الزَمانِ مُلِمَّةً … وَقَد فاضَ مِنها حَوضُكِ المُتَضَرِّبُ

فَأُزعِجَ مَغبوطٌ وَرُوِّعَ آمِنٌ … وَغالَ سَلامَ العالَمينَ التَعَصُّبُ

فَقالَت أَطَلتَ الهَمَّ لِلخَلقِ مَلجَأٌ … أَبَرُّ بِهِم مِن كُلِّ بَرٍّ وَأَحدَبُ

سَلامُ البَرايا في كَلاءَةِ فَرقَدٍ … بِيَلدِزَ لا يَغفو وَلا يَتَغَيَّبُ

وَإِنَّ أَميرَ المُؤمِنينَ لَوابِلٌ … مِنَ الغَوثِ مُنهَلٌ عَلى الخَلقِ صَيِّبُ

رَأى الفِتنَةَ الكُبرى فَوالى اِنهِمالَهُ … فَبادَت وَكانَت جَمرَةً تَتَلَهَّبُ

فَما زِلتُ بِالأَهوالِ حَتّى اِقتَحَمتُها … وَقَد تُركِبُ الحاجاتُ ما لَيسَ يُركَبُ

أَخوضُ اللَيالي مِن عُبابٍ وَمِن دُجىً … إِلى أُفقٍ فيهِ الخَليفَةُ كَوكَبُ

إِلى مُلكِ عُثمانَ الَّذي دونَ حَوضِهِ … بِناءُ العَوالي المُشمَخِرُّ المُطَنَّبُ

فَلاحَ يُناغي النَجمَ صَرحٌ مُثَقَّبٌ … عَلى الماءِ قَد حاذاهُ صَرحٌ مُثقَبُ

بُروجٌ أَعارَتها المَنونُ عُيونَها … لَها في الجَواري نَظرَةٌ لا تُخَيَّبُ

رَواسي اِبتِداعٍ في رَواسي طَبيعَةٍ … تَكادُ ذُراها في السَحابِ تُغَيَّبُ

فَقُمتُ أُجيلُ الطَرفَ حَيرانَ قائِلاً … أَهَذى ثُغورُ التُركِ أَم أَنا أَحسَبُ

فَمِثلَ بِناءِ التُركِ لَم يَبنِ مُشرِقٌ … وَمِثلَ بِناءِ التُركِ لَم يَبنِ مَغرِبُ

تَظَلُّ مَهولاتُ البَوارِجِ دونَهُ … حَوائِرَ ما يَدرينَ ماذا تُخَرِّبُ

إِذا طاشَ بَينَ الماءِ وَالصَخرِ سَهمُها … أَتاها حَديدٌ ما يَطيشُ وَأَسرَبُ

يُسَدِّدُهُ عِزريلُ في زِيِّ قاذِفٍ … وَأَيدي المَنايا وَالقَضاءُ المُدَرَّبُ

قَذائِفُ تَخشى مُهجَةُ الشَمسِ كُلَّما … عَلَت مُصعِداتٍ أَنَّها لا تُصَوَّبُ

إِذا صُبَّ حاميها عَلى السُفنِ اِنثَنَت … وَغانِمُها الناجي فَكَيفَ المُخَيَّبُ

سَلِ الرومَ هَل فيهِنَّ لِلفُلكِ حيلَةٌ … وَهَل عاصِمٌ مِنهُنَّ إِلّا التَنَكُّبُ

تَذَبذَبَ أُسطولاهُمُ فَدَعَتهُما … إِلى الرُشدِ نارٌ ثَمَّ لا تَتَذَبذَبُ

فَلا الشَرقُ في أُسطولِهِ مُتقى الحِمى … وَلا الغَربُ في أُسطولِهِ مُتَهَيَّبُ

وَما راعَني إِلّا لِواءٌ مُخَضَّبٌ … هُنالِكَ يَحميهِ بَنانٌ مُخَضَّبُ

فَقُلتُ مَنِ الحامي أَلَيثٌ غَضَنفَرٌ … مِنَ التُركِ ضارٍ أَم غَزالٌ مُرَبَّبُ

أَمِ المَلِكُ الغازي المُجاهِدُ قَد بَدا … أَمِ النَجمُ في الآرامِ أَم أَنتِ زَينَبُ

رَفَعتِ بَناتَ التُركِ قالَت وَهَل بِنا … بَناتِ الضَواري أَن نَصولَ تَعَجُّبُ

إِذا ما الدِيارُ اِستَصرَخَت بَدَرَت لَها … كَرائِمُ مِنّا بِالقَنا تَتَنَقَّبُ

تُقَرِّبُ رَبّاتُ البُعولِ بُعولَها … فَإِن لَم يَكُن بَعلٌ فَنَفساً تُقَرِّبُ

وَلاحَت بِآفاقِ العَدُوِّ سَرِيَّةٌ … فَوارِسُ تَبدو تارَةً وَتُحَجَّبُ

نَواهِضُ في حُزنٍ كَما تَنهَضُ القَطا … رَواكِضُ في سَهلٍ كَما اِنسابَ ثَعلَبُ

قَليلونَ مِن بُعدٍ كَثيرونَ إِن دَنَوا … لَهُم سَكَنٌ آناً وَآناً تَهَيُّبُ

فَقالَت شَهِدتَ الحَربَ أَو أَنتَ موشِكٌ … فَصِفنا فَأَنتَ الباسِلُ المُتَأَدِّبُ

وَنادَت فَلَبّى الخَيلُ مِن كُلِّ جانِبٍ … وَلَبّى عَلَيها القَسوَرُ المُتَرَقِّبُ

خِفافاً إِلى الداعي سِراعاً كَأَنَّما … مِنَ الحَربِ داعٍ لِلصَلاةِ مُثَوِّبُ

مُنيفينَ مِن حَولِ اللِواءِ كَأَنَّهُم … لَهُ مَعقِلٌ فَوقَ المَعاقِلِ أَغلَبُ

وَما هِيَ إِلّا دَعوَةٌ وَإِجابَةٌ … أَنِ اِلتَحَمَت وَالحَربُ بَكرٌ وَتَغلِبُ

فَأَبصَرتُ ما لَم تُبصِرا مِن مَشاهِدٍ … وَلا شَهِدَت يَوماً مَعَدٌّ وَيَعرُبُ

جِبالَ مَلونا لا تَخوري وَتَجزَعي … إِذا مالَ رَأسٌ أَو تَضَعضَعَ مَنكِبُ

فَما كُنتِ إِلّا السَيفَ وَالنارَ مَركَباً … وَما كانَ يَستَعصي عَلى التُركِ مَركَبُ

عَلَوا فَوقَ عَلياءِ العَدُوِّ وَدونَهُ … مَضيقٌ كَحَلقِ اللَيثِ أَو هُوَ أَصعَبُ

فَكانَ صِراطُ الحَشرِ ما ثَمَّ ريبَةٌ … وَكانوا فَريقَ اللَهِ ما ثَمَّ مُذنِبُ

يَمُرّونَ مَرَّ البَرقِ تَحتَ دُجُنَّةٍ … دُخاناً بِهِ أَشباحُهُم تَتَجَلبَبُ

حَثيثينَ مِن فَوقِ الجِبالِ وَتَحتِها … كَما اِنهارَ طَودٌ أَو كَما اِنهالَ مِذنَبُ

تُمِدُّهُمُ قُذّافُهُم وَرُماتُهُم … بِنارٍ كَنيرانِ البَراكينِ تَدأَبُ

تُذَرّى بِها شُمُّ الذُرا حينَ تَعتَلي … وَيَسفَحُ مِنها السَفحُ إِذ تَتَصَبَّبُ

تُسَمَّرُ في رَأسِ القِلاعِ كُراتُها … وَيَسكُنُ أَعجازَ الحُصونِ المُذَنَّبُ

فَلَمّا دَجى داجي العَوانِ وَأَطبَقَت … تَبَلَّجَ وَالنَصرَ الهِلالُ المُحَجَّبُ

وَرُدَّت عَلى أَعقابِها الرومُ بَعدَما … تَناثَرَ مِنها الجَيشُ أَو كادَ يَذهَبُ

جَناحَينِ في شِبهِ الشِباكَينِ مِن قَنا … وَقَلباً عَلى حُرِّ الوَغى يَتَقَلَّبُ

عَلى قُلَلِ الأَجبالِ حَيرى جُموعُهُم … شَواخِصُ ما إِن تَهتَدي أَينَ تَذهَبُ

إِذا صَعَدَت فَالسَيفُ أَبيَضُ خاطِفٌ … وَإِن نَزَلَت فَالنارُ حَمراءُ تَلهَبُ

تَطَوَّعَ أَسراً مِنهُمُ ذَلِكَ الَّذي … تَطَوَّعَ حَرباً وَالزَمانُ تَقَلُّبُ

وَتَمَّ لَنا النَصرُ المُبينُ عَلى العِدا … وَفَتحُ المَعالي وَالنَهارُ المُذَهَّبُ

فَجِئتُ فَتاةَ التُركِ أَجزي دِفاعَها … عَنِ المُلكِ وَالأَوطانِ ما الحَقُّ يوجِبُ

فَقَبَّلتُ كَفّاً كانَ بِالسَيفِ ضارِباً … وَقَبَّلتُ سَيفاً كانَ بِالكَفِّ يَضرِبُ

وَقُلتُ أَفي الدُنيا لِقَومِكِ غالِبٌ … وَفي مِثلِ هَذا الحِجرِ رُبّوا وَهُذِّبوا

رُوَيداً بَني عُثمانَ في طَلَبِ العُلا … وَهَيهاتَ لَم يُستَبقَ شَيءٌ فَيُطلَبُ

أَفي كُلِّ آنٍ تَغرِسونَ وَنَجتَني … وَفي كُلِّ يَومٍ تَفتَحونَ وَنَكتُبُ

وَما زِلتُمُ يَسقيكُمُ النَصرُ حُمرَهُ … وَتَسقونَهُ وَالكُلُّ نَشوانَ مُصأَبُ

إِلى أَن أَحَلَّ السُكرَ مَن لا يُحِلُّهُ … وَمَدَّ بِساطَ الشُربِ مَن لَيسَ يَشرَبُ

وَأَشمَطَ سَوّاسِ الفَوارِسِ أَشيَبُ … يَسيرُ بِهِ في الشَعبِ أَشمَطُ أَشيَبُ

رَفيقاً ذَهابٍ في الحُروبِ وَجيئَةٍ … قَدِ اِصطَحَبا وَالحُرُّ لِلحُرِّ يَصحَبُ

إِذا شَهِداها جَدَّدا هِزَّةَ الصِبا … كَما يَتَصابى ذو ثَمانينَ يَطرُبُ

فَيَهتَزُّ هَذا كَالحُسامِ وَيَنثَني … وَيَنفُرُ هَذا كَالغَزالِ وَيَلعَبُ

تَوالى رَصاصُ المُطلِقينَ عَلَيهِما … يُخَضِّلُ مِن شَيبِهِما وَيُخَضِّبُ

فَقيلَ أَنِل أَقدامَكَ الأَرضَ إِنَّها … أَبَرُّ جَواداً إِن فَعَلتَ وَأَنجَبُ

فَقالَ أَيَرضى واهِبُ النَصرِ أَنَّنا … نَموتُ كَمَوتِ الغانِياتِ وَنُعطَبُ

ذَروني وَشَأني وَالوَغى لا مُبالِياً … إِلى المَوتِ أَمشي أَم إِلى المَوتِ أَركَبُ

أَيَحمِلُني عُمراً وَيَحمي شَبيبَتي … وَأَخذُلُهُ في وَهنِهِ وَأُخَيِّبُ

إِذا نَحنُ مِتنا فَاِدفِنونا بِبُقعَةٍ … يَظَلُّ بِذِكرانا ثَراها يُطَيِّبُ

وَلا تَعجَبوا أَن تَبسُلَ الخَيلُ إِنَّها … لَها مِثلُ ما لِلناسِ في المَوتِ مَشرَبُ

فَماتا أَمامَ اللَهِ مَوتَ بَسالَةٍ … كَأَنَّهُما فيهِ مِثالٌ مُنَصَّبُ

وَما شُهَداءُ الحَربِ إِلّا عِمادُها … وَإِن شَيَّدَ الأَحياءُ فيها وَطَنَّبوا

مِدادُ سِجِلِّ النَصرِ فيها دِماؤُهُم … وَبِالتِبرِ مِن غالي ثَراهُم يُتَرَّبُ

فَهَل مِن مَلونا مَوقِفٌ وَمَسامِعٌ … وَمِن جَبَلَيها مِنبَرٌ لي فَأَخطُبُ

فَأَسأَلُ حِصنَيها العَجيبَينِ في الوَرى … وَمَدخَلُها الأَعصى الَّذي هُوَ أَعجَبُ

وَأَستَشهِدُ الأَطوادَ شَمّاءَ وَالذُرا … بَواذِخَ تُلوي بِالنُجومِ وَتُجذَبُ

هَلِ البَأسُ إِلّا بَأسُهُم وَثَباتُهُم … أَوِ العَزمُ إِلّا عَزمُهُم وَالتَلَبُّبُ

أَوِ الدينُ إِلّا ما رَأَت مِن جِهادِهِم … أَوِ المُلكُ إِلّا ما أَعَزّوا وَهَيَّبوا

وَأَيُّ فَضاءٍ في الوَغى لَم يُضَيِّقوا … وَأَيُّ مَضيقٍ في الوَرى لَم يُرَحِّبوا

وَهَل قَبلَهُم مَن عانَقَ النارَ راغِباً … وَلَو أَنَّهُ عُبّادُها المُتَرَهِّبُ

وَهَل نالَ ما نالوا مِنَ الفَخرِ حاضِرٌ … وَهَل حُبِيَ الخالونَ مِنهُ الَّذي حُبوا

سَلاماً مَلونا وَاِحتِفاظاً وَعِصمَةً … لِمَن باتَ في عالي الرِضى يَتَقَلَّبُ

وَضِنّي بِعَظمٍ في ثَراكِ مُعَظَّمٍ … يُقَرِبُهُ الرَحمَنُ فيما يُقَرِّبُ

وَطِرناوُ إِذ طارَ الذُهولُ بِجَيشِها … وَبِالشَعبِ فَوضى في المَذاهِبِ يَذهَبُ

عَشِيَّةَ ضاقَت أَرضُها وَسَماؤُها … وَضاقَ فَضاءٌ بَينَ ذاكَ مُرَحِّبُ

خَلَت مِن بَني الجَيشِ الحُصونُ وَأَقفَرَت … مَساكِنُ أَهليها وَعَمَّ التَخَرُّبُ

وَنادى مُنادٍ لِلهَزيمَةِ في المَلا … وَإِنَّ مُنادي التُركِ يَدنو وَيَقرُبُ

فَأَعرَضَ عَن قُوّادِهِ الجُندُ شارِداً … وَعَلَّمَهُ قُوّادُهُ كَيفَ يَهرُبُ

وَطارَ الأَهالي نافِرينَ إِلى الفَلا … مِئينَ وَآلافاً تَهيمُ وَتَسرُبُ

نَجَوا بِالنُفوسِ الذاهِلاتِ وَما نَجَوا … بِغَيرِ يَدٍ صِفرٍ وَأُخرى تُقَلِّبُ

وَطالَت يَدٌ لِلجَمعِ في الجَمعِ بِالخَنا … وَبِالسَلبِ لَم يَمدُد بِها فيهِ أَجنَبُ

يَسيرُ عَلى أَشلاءِ والِدِهِ الفَتى … وَيَنسى هُناكَ المُرضَعَ الأُمُّ وَالأَبُ

وَتَمضي السَرايا واطِئاتٍ بِخَيلِها … أَرامِلَ تَبكي أَو ثَواكِلَ تَندُبُ

فَمِن راجِلٍ تَهوي السِنونُ بِرِجلِهِ … وَمِن فارِسٍ تَمشي النِساءُ وَيَركَبُ

وَماضٍ بِمالٍ قَد مَضى عَنهُ وَألُهُ … وَمُزجٍ أَثاثاً بَينَ عَينَيهِ يُنهَبُ

يَكادونَ مِن ذُعرٍ تَفُرُّ دِيارُهُم … وَتَنجو الرَواسي لَو حَواهُنَّ مَشعَبُ

يَكادُ الثَرى مِن تَحتِهِم يَلِجُ الثَرى … وَيَقضِمُ بَعضُ الأَرضِ بَعضاً وَيُقضِبُ

تَكادُ خُطاهُم تَسبِقُ البَرقَ سُرعَةً … وَتَذهَبُ بِالأَبصارِ أَيّانَ تَذهَبُ

تَكادُ عَلى أَبصارِهِم تَقطَعُ المَدى … وَتَنفُذُ مَرماها البَعيدَ وَتَحجُبُ

تَكادُ تَمُسُّ الأَرضَ مَسّاً نِعالُهُم … وَلَو وَجَدوا سُبلاً إِلى الجَوِّ نَكَّبوا

هَزيمَةُ مَن لا هازِمٌ يَستَحِثُّهُ … وَلا طارِدٌ يَدعو لِذاكَ وَيوجِبُ

قَعَدنا فَلَم يَعدَم فَتى الرومِ فَيلَقاً … مِنَ الرُعبِ يَغزوهُ وَآخَرَ يَسلُبُ

ظَفِرنا بِهِ وَجهاً فَظَنَّ تَعَقُّباً … وَماذا يَزيدُ الظافِرينَ التَعَقُّبُ

فَوَلّى وَما وَلّى نِظامُ جُنودِهِ … وَيا شُؤمَ جَيشٍ لِلفَرارِ يُرَتِّبُ

يَسوقُ وَيَحدو لِلنَجاةِ كَتائِباً … لَهُ مَوكِبٌ مِنها وَلِلعارِ مَوكِبُ

مُنَظَّمَةٌ مِن حَولِهِ بَيدَ أَنَّها … تَوَدُّ لَوِ اِنشَقَّ الثَرى فَتُغَيَّبُ

مُؤَزَّرَةٌ بِالرُعبِ مَلدوغَةٌ بِهِ … فَفي كُلِّ ثَوبٍ عَقرَبٌ مِنهُ تَلسِبُ

تَرى الخَيلَ مِن كُلِّ الجِهاتِ تَخَيُّلاً … فَيَأخُذُ مِنها وَهمُها وَالتَهَيُّبُ

فَمِن خَلفِها طَوراً وَحيناً أَمامَها … وَآوِنَةً مِن كُلِّ أَوبٍ تَأَلَّبُ

فَوارِسُ في طولِ الجِبالِ وَعَرضِها … إِذا غابَ مِنهُم مِقنَبٌ لاحَ مِقنَبُ

فَمَهما تَهِم يَسنَح لَها ذو مُهَنَّدٍ … وَيَخرُج لَها مِن باطِنِ الأَرضِ مِحرَبُ

وَتَنزِل عَلَيها مِن سَماءِ خَيالِها … صَواعِقٌ فيهِنَّ الرَدى المُتَصَبِّبُ

رُؤىً إِن تَكُن حَقّاً يَكُن مِن وَرائِها … مَلائِكَةُ اللَهِ الَّذي لَيسَ يُغلَبُ

وَفِرسالُ إِذ باتوا وَبِتنا أَعادِياً … عَلى السَهلِ لُدّاً يَرقُبونَ وَنَرقُبُ

وَقامَ فَتانا اللَيلَ يَحمي لِواءَهُ … وَقامَ فَتاهُم لَيلَهُ يَتَلَعَّبُ

تَوَسَّدَ هَذا قائِمَ السَيفِ يَتَّقي … وَهَذا عَلى أَحلامِهِ يَتَحَسَّبُ

وَهَل يَستَوي القِرنانُ هَذا مُنَعَّمٌ … غَريرٌ وَهَذا ذو تَجاريبَ قُلَّبُ

حَمَينا كِلانا أَرضَ فِرسالَ وَالسَما … فَكُلُّ سَبيلٍ بَينَ ذَلِكَ مَعطَبُ

وَرُحنا يَهُبُّ الشَرُّ فينا وَفيهِمُ … وَتَشمُلُ أَرواحُ القِتالِ وَتَجنُبُ

كَأَنّا أُسودٌ رابِضاتٌ كَأَنَّهُم … قَطيعٌ بِأَقصى السَهلِ حَيرانَ مُذئِبُ

كَأَنَّ خِيامَ الجَيشِ في السَهلِ أَينَقُ … نَواشِزُ فَوضى في دُجى اللَيلِ شُزَّبُ

كَأَنَّ السَرايا ساكِناتٍ مَوائِجاً … قَطائِعُ تُعطى الأَمنَ طَوراً وَتُسلَبُ

كَأَنَّ القَنا دونَ الخِيامِ نَوازِلاً … جَداوِلُ يُجريها الظَلامُ وَيُسكَبُ

كَأَنَّ الدُجى بَحرٌ إِلى النَجمِ صاعِدٌ … كَأَنَّ السَرايا مَوجُهُ المُتَضَرِّبُ

كَأَنَّ المَنايا في ضَميرِ ظَلامِهِ … هُمومٌ بِها فاضَ الضَميرُ المُحَجَّبُ

كَأَنَّ صَهيلَ الخَيلِ ناعٍ مُبَشِّرٌ … تَراهُنَّ فيها ضُحَّكاً وَهيَ نُحَّبُ

كَأَنَّ وُجوهَ الخَيلِ غُرّاً وَسيمَةً … دَرارِيُّ لَيلٍ طُلَّعٌ فيهِ ثُقَّبُ

كَأَنَّ أُنوفَ الخَيلِ حَرّى مِنَ الوَغى … مَجامِرُ في الظَلماءِ تَهدا وَتَلهُبُ

كَأَنَّ صُدورَ الخَيلِ غُدرٌ عَلى الدُجى … كَأَنَّ بَقايا النَضحِ فيهِنَّ طُحلُبُ

كَأَنَّ سَنى الأَبواقِ في اللَيلِ بَرقُهُ … كَأَنَّ صَداها الرَعدُ لِلبَرقِ يَصحَبُ

كَأَنَّ نِداءَ الجَيشِ مِن كُلِّ جانِبٍ … دَوِيُّ رِياحٍ في الدُجى تَتَذَأَّبُ

كَأَنَّ عُيونَ الجَيشِ مِن كُلِّ مَذهَبٍ … مِنَ السَهلِ جُنَّ جُوَّلٌ فيهِ جُوَّبُ

كَأَنَّ الوَغى نارٌ كَأَنَّ جُنودَنا … مَجوسٌ إِذا ما يَمَّموا النارَ قَرَّبوا

كَأَنَّ الوَغى نارٌ كَأَنَّ الرَدى قِرىً … كَأَنَّ وَراءَ النارِ حاتِمَ يَأدِبُ

كَأَنَّ الوَغى نارٌ كَأَنَّ بَني الوَغى … فَراشٌ لَهُ مَلمَسُ النارِ مَأرَبُ

وَثَبنا يَضيقُ السَهلُ عَن وَثَباتِنا … وَتَقدُمُنا نارٌ إِلى الرومِ أَوثَبُ

مَشَت في سَراياهُم فَحَلَّت نِظامَها … فَلَمّا مَشَينا أَدبَرَت لا تُعَقِّبُ

رَأى السَهلُ مِنهُم ما رَأى الوَعرُ قَبلَهُ … فَيا قَومُ حَتّى السَهلُ في الحَربِ يَصعُبُ

وَحِصنٌ تَسامى مِن دُموقو كَأَنَّهُ … مُعَشِّشُ نَسرٍ أَو بِهَذا يُلَقَّبُ

أَشُمُّ عَلى طَودٍ أَشَمَّ كِلاهُما … مَنونُ المُفاجي وَالحِمامُ المُرَحِّبُ

تَكادُ تَقادُ الغادِياتُ لِرَبِّهِ … فَيُزجي وَتَنزُمُّ الرِياحُ فَيَركَبُ

حَمَتهُ لُيوثٌ مِن حَديدٍ تَرَكَّزَت … عَلى عَجَلٍ وَاِستَجمَعَت تَتَرَقَّبُ

تَثورُ وَتَستَأني وَتَنأى وَتَدَّني … وَتَغدو بِما تَغدي وَتَرمي وَتَنشُبُ

تَأبّى فَظَنَّ العالِمونَ اِستَحالَةً … وَأَعيا عَلى أَوهامِهِم فَتَرَيَّبوا

فَما في القِوى أَنَّ السَماواتِ تُرتَقى … بِجَيشٍ وَأَنَّ النَجمَ يُغشى فَيُغضِبُ

سَمَوتُم إِلَيهِ وَالقَنابِلُ دونَهُ … وَشُهبُ المَنايا وَالرَصاصُ المُصَوَّبُ

فَكُنتُم يَواقيتَ الحُروبِ كَرامَةً … عَلى النارِ أَو أَنتُم أَشَدُّ وَأَصلَبُ

صَعَدتُم وَما غَيرُ القَنا ثَمَّ مَصعَدٌ … وَلا سُلَّمٌ إِلّا الحَديدُ المُذَرَّبُ

كَما اِزدَحَمَت بَيزانُ جَوٍّ بِمَورِدٍ … أَوِ اِرتَفَعَت تَلقى الفَريسَةَ أَعقَبُ

فَما زِلتُمُ حَتّى نَزَلتُم بُروجَهُ … وَلَم تَحتَضِر شَمسُ النَهارِ فَتَغرُبُ

هُنالِكَ غالى في الأَماديحِ مَشرِقٌ … وَبالَغَ فيكُم آلَ عُثمانَ مَغرِبُ

وَزَيدَ حَمى الإِسلامَ عِزّاً وَمَنعَةً … وَرُدَّ جِماحُ العَصرِ فَالعَصرُ هَيِّبُ

رَفَعنا إِلى النَجمِ الرُؤوسِ بِنَصرِكُم … وَكُنّا بِحُكمِ الحادِثاتِ نُصَوِّبُ

وَمَن كانَ مَنسوباً إِلى دَولَةِ القَنا … فَلَيسَ إِلى شَيءٍ سِوى العِزِّ يُنسَبُ

فَيا قَومُ أَينَ الجَيشُ فيما زَعَمتُمُ … وَأَينَ الجَواري وَالدِفاعُ المُرَكَّبُ

وَأَينَ أَميرُ البَأسِ وَالعَزمِ وَالحِجى … وَأَينَ رَجاءٌ في الأَميرِ مُخَيَّبُ

وَأَينَ تُخومٌ تَستَبيحونَ دَوسَها … وَأَينَ عِصاباتٌ لَكُم تَتَوَثَّبُ

وَأَينَ الَّذي قالَت لَنا الصُحفُ عَنكُمُ … وَأَسنَدَ أَهلوها إِلَيكُم فَأَطنَبوا

وَما قَد رَوى بَرقٌ مِنَ القَولِ كاذِبٌ … وَآخَرُ مِن فِعلِ المُحِبّينَ أَكذَبُ

وَما شِدتُمُ مِن دَولَةٍ عَرضُها الثَرى … يَدينُ لَها الجِنسانِ تُركٌ وَصَقلَبُ

لَها عَلَمٌ فَوقَ الهِلالِ وَسُدَّةٌ … تُنَصُّ عَلى هامِ النُجومِ وَتُنصَبُ

أَهَذا هُوَ الذَودُ الَّذي تَدَّعونَهُ … وَنَصرُ كَريدٍ وَالوَلا وَالتَحَبُّبُ

أَهَذا الَّذي لِلمُلكِ وَالعِرضِ عِندَكُم … وَلِلجارِ إِن أَعيا عَلى الجارِ مَطلَبُ

أَهَذا سِلاحُ الفَتحِ وَالنَصرِ وَالعُلا … أَهَذا مَطايا مَن إِلى المَجدِ يَركَبُ

أَهَذا الَّذي لِلذِكرِ خُلَّبُ مَعشَرٌ … عَلى ذِكرِهِم يَأتي الزَمانُ وَيَذهَبُ

أَسَأتُم وَكانَ السوءُ مِنكُم إِلَيكُمُ … إِلى خَيرِ جارٍ عِندَهُ الخَيرُ يُطلَبُ

إِلى ذي اِنتِقامٍ لا يَنامُ غَريمُهُ … وَلَو أَنَّهُ شَخصُ المَنامِ المُحَجَّبُ

شَقيتُم بِها مِن حيلَةٍ مُستَحيلَةٍ … وَأَينَ مِنَ المُحتالِ عَنقاءُ مُغرِبُ

فَلَولا سُيوفُ التُركِ جَرَّبَ غَيرُكُم … وَلَكِن مِنَ الأَشياءِ ما لا يُجَرَّبُ

فَعَفواً أَميرَ المُؤمِنينَ لِأُمَّةٍ … دَعَت قادِراً مازالَ في العَفوِ يَرغَبُ

ضَرَبتَ عَلى آمالِها وَمَآلِها … وَأَنتَ عَلى اِستِقلالِها اليَومَ تَضرِبُ

إِذا خانَ عَبدُ السوءِ مَولاهُ مُعتَقاً … فَما يَفعَلُ الكَريمُ المُهَذَّبُ

وَلا تَضرِبَن بِالرَأيِ مُنحَلَّ مُلكِهِم … فَما يَفعَلُ المَولى الكَريمُ المُهَذَّبُ

لَقَد فَنِيَت أَرزاقُهُم وَرِجالُهُم … وَليسَ بِفانٍ طَيشُهُم وَالتَقَلُّبُ

فَإِن يَجِدوا لِلنَفسِ بِالعَودِ راحَةً … فَقَد يَشتَهي المَوتَ المَريضُ المُعَذَّبُ

وَإِن هَمَّ بِالعَفوِ الكَريمِ رَجاؤُهُم … فَمِن كَرَمِ الأَخلاقِ أَن لا يُخَيَّبوا

فَما زِلتَ جارَ البِرِّ وَالسَيِّدَ الَّذي … إِلى فَضلِهِ مِن عَدلِهِ الجارُ يَهرُبُ

يُلاقي بَعيدُ الأَهلِ عِندَكَ أَهلَهُ … وَيَمرَحُ في أَوطانِهِ المُتَغَرِّبُ

أَمَولايَ غَنَّتكَ السُيوفُ فَأَطرَبَت … فَهَل لِيَراعي أَن يُغَنّي فَيُطرِبُ

فَعِندي كَما عِندَ الظُبا لَكَ نَغمَةٌ … وَمُختَلِفُ الأَنغامِ لِلأُنسِ أَجلَبُ

أُعَرِّبُ ما تُنشي عُلاكَ وَإِنَّهُ … لَفي لُطفِهِ ما لا يَنالُ المُعَرِّبُ

مَدَحتُكَ وَالدُنيا لِسانٌ وَأَهلُها … جَميعاً لِسانٌ يُملِيانِ وَأَكتُبُ

أُناوِلُ مِن شِعرِ الخِلافَةِ رَبَّها … وَأَكسو القَوافي ما يَدومُ فَيُقشِبُ

وَهَل أَنتَ إِلّا الشَمسُ في كُلِّ أُمَّةٍ … فَكُلُّ لِسانٍ في مَديحِكَ طَيِّبُ

فَإِن لَم يَلِق شِعري لِبابِكَ مِدحَةً … فَمُر يَنفَتِح بابٌ مِنَ العُذرِ أَرحَبُ

وَإِنّي لَطَيرُ النيلِ لا طَيرَ غَيرُهُ … وَما النيلُ إِلّا مِن رِياضِكَ يُحسَبُ

إِذا قُلتُ شِعراً فَالقَوافي حَواضِرٌ … وَبَغدادُ بَغدادٌ وَيَثرِبُ يَثرِبُ

وَلَم أَعدَمِ الظِلَّ الخَصيبَ وَإِنَّما … أُجاذِبُكَ الظِلَّ الَّذي هُوَ أَخصَبُ

فَلا زِلتَ كَهفَ الدينِ وَالهادِيَ الَّذي … إِلى اللَهِ بِالزُلفى لَهُ نَتَقَرَّبُ

رثاء عمر المختار – أحمد شوقي

رَكَزوا رُفاتَكَ في الرِمالِ لِواءَ … يَستَنهِضُ الوادي صَباحَ مَساءَ

يا وَيحَهُم نَصَبوا مَناراً مِن دَمٍ … توحي إِلى جيلِ الغَدِ البَغضاءَ

ما ضَرَّ لَو جَعَلوا العَلاقَةَ في غَدٍ … بَينَ الشُعوبِ مَوَدَّةً وَإِخاءَ

جُرحٌ يَصيحُ عَلى المَدى وَضَحِيَّةٌ … تَتَلَمَّسُ الحُرِّيَةَ الحَمراءَ

يا أَيُّها السَيفُ المُجَرَّدُ بِالفَلا … يَكسو السُيوفَ عَلى الزَمانِ مَضاءَ

تِلكَ الصَحاري غِمدُ كُلِّ مُهَنَّدٍ … أَبلى فَأَحسَنَ في العَدُوِّ بَلاءَ

وَقُبورُ مَوتى مِن شَبابِ أُمَيَّةٍ … وَكُهولِهِم لَم يَبرَحوا أَحياءَ

لَو لاذَ بِالجَوزاءِ مِنهُم مَعقِلٌ … دَخَلوا عَلى أَبراجِها الجَوزاءَ

فَتَحوا الشَمالَ سُهولَهُ وَجِبالَهُ … وَتَوَغَّلوا فَاِستَعمَروا الخَضراءَ

وَبَنَوا حَضارَتَهُم فَطاوَلَ رُكنُها … دارَ السَلامِ وَجِلَّقَ الشَمّاءَ

خُيِّرتَ فَاِختَرتَ المَبيتَ عَلى الطَوى … لَم تَبنِ جاهاً أَو تَلُمَّ ثَراءَ

إِنَّ البُطولَةَ أَن تَموتَ مِن الظَما … لَيسَ البُطولَةُ أَن تَعُبَّ الماءَ

إِفريقيا مَهدُ الأُسودِ وَلَحدُها … ضَجَّت عَلَيكَ أَراجِلاً وَنِساءَ

وَالمُسلِمونَ عَلى اِختِلافِ دِيارِهِم … لا يَملُكونَ مَعَ المُصابِ عَزاءَ

وَالجاهِلِيَّةُ مِن وَراءِ قُبورِهِم … يَبكونَ زيدَ الخَيلِ وَالفَلحاءَ

في ذِمَّةِ اللَهِ الكَريمِ وَحِفظِهِ … جَسَدٌ بِبُرقَةَ وُسِّدَ الصَحراءَ

لَم تُبقِ مِنهُ رَحى الوَقائِعِ أَعظُماً … تَبلى وَلَم تُبقِ الرِماحُ دِماءَ

كَرُفاتِ نَسرٍ أَو بَقِيَّةِ ضَيغَمٍ … باتا وَراءَ السافِياتِ هَباءَ

بَطَلُ البَداوَةِ لَم يَكُن يَغزو عَلى … تَنَكٍ وَلَم يَكُ يَركَبُ الأَجواءَ

لَكِن أَخو خَيلٍ حَمى صَهَواتِها … وَأَدارَ مِن أَعرافِها الهَيجاءَ

لَبّى قَضاءَ الأَرضِ أَمسِ بِمُهجَةٍ … لَم تَخشَ إِلّا لِلسَماءِ قَضاءَ

وافاهُ مَرفوعَ الجَبينِ كَأَنَّهُ … سُقراطُ جَرَّ إِلى القُضاةِ رِداءَ

شَيخٌ تَمالَكَ سِنَّهُ لَم يَنفَجِر … كَالطِفلِ مِن خَوفِ العِقابِ بُكاءَ

وَأَخو أُمورٍ عاشَ في سَرّائِها … فَتَغَيَّرَت فَتَوَقَّعَ الضَرّاءَ

الأُسدُ تَزأَرُ في الحَديدِ وَلَن تَرى … في السِجنِ ضِرغاماً بَكى اِستِخذاءَ

وَأَتى الأَسيرُ يَجُرُّ ثِقلَ حَديدِهِ … أَسَدٌ يُجَرِّرُ حَيَّةً رَقطاءَ

عَضَّت بِساقَيهِ القُيودُ فَلَم يَنُؤ … وَمَشَت بِهَيكَلِهِ السُنونَ فَناءَ

تِسعونَ لَو رَكِبَت مَناكِبَ شاهِقٍ … لَتَرَجَّلَت هَضَباتُهُ إِعياءَ

خَفِيَت عَنِ القاضي وَفاتَ نَصيبُها … مِن رِفقِ جُندٍ قادَةً نُبَلاءَ

وَالسُنُّ تَعصِفُ كُلَّ قَلبِ مُهَذَّبٍ … عَرَفَ الجُدودَ وَأَدرَكَ الآباءَ

دَفَعوا إِلى الجَلّادِ أَغلَبَ ماجِداً … يَأسو الجِراحَ وَيُعَتِقُ الأُسَراءَ

وَيُشاطِرُ الأَقرانَ ذُخرَ سِلاحِهِ … وَيَصُفُّ حَولَ خِوانِهِ الأَعداءَ

وَتَخَيَّروا الحَبلَ المَهينَ مَنِيَّةً … لِلَّيثِ يَلفِظُ حَولَهُ الحَوباءَ

حَرَموا المَماتَ عَلى الصَوارِمِ وَالقَنا … مَن كانَ يُعطي الطَعنَةَ النَجلاءَ

إِنّي رَأَيتُ يَدَ الحَضارَةِ أولِعَت … بِالحَقِّ هَدماً تارَةً وَبِناءَ

شَرَعَت حُقوقَ الناسِ في أَوطانِهِم … إِلّا أُباةَ الضَيمِ وَالضُعَفاءَ

يا أَيُّها الشَعبُ القَريبُ أَسامِعٌ … فَأَصوغُ في عُمَرَ الشَهيدِ رِثاءَ

أَم أَلجَمَت فاكَ الخُطوبُ وَحَرَّمَت … أُذنَيكَ حينَ تُخاطَبُ الإِصغاءَ

ذَهَبَ الزَعيمُ وَأَنتَ باقٍ خالِدٌ … فَاِنقُد رِجالَكَ وَاِختَرِ الزُعَماءَ

وَأَرِح شُيوخَكَ مِن تَكاليفِ الوَغى … وَاِحمِل عَلى فِتيانِكَ الأَعباءَ

يا ساكني مِصرَ إنّا لا نَزالُ على – أحمد شوقي

يا ساكني مِصرَ إنّا لا نَزالُ على … عَهْدِ الوَفاءِ وإنْ غِبْنا مُقِيمِينَا

هَلاَّ بَعَثتُمْ لنا من ماءِ نَهرِكُمُ … شيئاً نَبُلُّ به أَحْشاءَ صادِينَا

كلُّ المَناهِلِ بَعدَ النِّيلِ آسِنَة ٌ … ما أَبْعَدَ النِّيلَ إلاّ عَنْ أَمانِينَا

بَرَاغِيثُ مَحجوب لم أَنسَها – أحمد شوقي

بَرَاغِيثُ مَحجوب لم أَنسَها … ولم أنسَ ما طعمتْ من دمي

تشقُّ خَراطيمُها جَوْرَبي … وتنفُذُ في اللحم والأَعظُمِ

وكنتُ إذا الصَّيفُ راح احتجم … تُ فجاءَ الخريفُ فلم أحتجم

ترحِّبُ بالضَّيف فوقَ الط … ـقِ، فبابِ العيادة ِ فالسُّلَّم

قد انتشرت جوقة ً جوقة ً … كما رُشَّتِ الأَرضُ بالسِّمسِم

وترقصُ رقصَ المواسي الحدادِ … على الجِلدِ، والعَلَقِ الأَسحم

بواكيرُ تطلعُ قبل الشِّتاءِ … وترفعُ ألوية َ الموسمِ

إذا ما ابن سينا رمى بلغماً … رأيتَ البراغيثَ في البلغم

وتُبصِرُها حول بيبا الرئيس … وفي شاربيهِ وحولَ الفم

وبينَ حفائرِ أسنانهِ … مع السُّوسِ في طلبِ المَطْعَم

قل لابن سِينا: لا طَبي – أحمد شوقي

قل لابن سِينا: لا طَبيـ … بَ اليومَ إلا الدرهمُ

هو قبلَ بقراطٍ وقبْـ … ـلَكَ للجِراحة ِ مَرْهم

والناسُ مُذ كانوا عليـ … ه دائرون وحوَّم

وبِسحْرِه تعلو الأَسا … فِلُ في العيونِ وتعظمُ

يا هل ترى الألفانِ وق … فٌ لا يُمسُّ ومَحرَم؟

بنكُ السَّعيدِ عليهما … حتى القيامة ِ قيِّم

لا شيكَ يظهرُ في البنو … ك ولا حوالة َ تخصم

وأعفُّ منْ لاقيتَ يلق … ـاهُ فلا يتكرّم

z