لبنانُ مجدكَ في المشارق أوَّلُ – أحمد شوقي

لبنانُ مجدكَ في المشارق أوَّلُ
والأَرضُ رابية ٌ وأَنتَ سَنامُ

وبنوك أَلطفُ مِن نسيمِكَ ظلُّهُمْ
وأَشمُّ مِن هَضَبَاتِك الأَحلام

أَخرجتَهم للعالمين جَحاجِحاً
عرباً وأبناءُ الكريم كرامُ

بين الرياض وبين أفقٍ زاهرٍ
طلع المسيحُ عليه والإسلام

هذا أديبك يحتفى بوسامهِ
وبيانُه للمَشْرقَيْنِ وِسامُ

ويُجَلُّ قدْرُ قِلادة ٍ في صدره
وله القلائدُ سمطها الإلهام

صدرٌ حَوالَيْه الجلالُ ومِلؤهُ
كرمٌ وخشية ُ مومنٍ وذمام

حلاَّهُ لإحسانُ الخديو وطالما
حلاَّه فضلُ اللهِ والإنعام

لِعُلاك يا مُطرانُ أَم لنهاك أَم
لخلالك التّشرفُ والإكرام ؟

أَم للمواقف لم يَقِفْها ضَيْغَمٌ
لولاك لا ضطربت له الأهرام ؟

هذا مقامُ القولِ فيك ولم يزلْ
لك في الضمائر محفلٌ ومقام

غالي بقيمتك الأمير محمد
وسعى إليك يحفه الإعظام

في مجمعٍ هزّ البيانُ لواءه
بك فيه واعتزَّتْ بك الأَقلامُ

ابنُ الملوكِ تلا الثناءَ مخلَّداً
هيهات يذهبُ للملوكِ كلام

فمنِ البشِير لبعْلَبَكَّ وبينَها
نسبٌ تضيءُ بنوره الأيام ؟

يبْلَى المكينُ الفخْمُ من آثارها
يوماً وآثارُ الخليل قيام

وعصابة ٍ بالخيرِ ألِّف شملهم – أحمد شوقي

وعصابة ٍ بالخيرِ ألِّف شملهم
والخيرُ أفضلُ عصبة ً ورفاقا

جعلوا التَّعاونَ والبناية َ هَمَّهم
واستنهضوا الآدابَ والأَخلاقا

ولقد يُداوُون الجِراح بِبرِّهم
ويقاتلون البؤسَ والإملاقا

يسمونَ بالأدب الجديدِ وتارة
يَبْنُون للأَدبِ القديمِ رِواقا

عَرَضَ القُعودُ فكان دون نُبوغِهِ
قَيداً ودونَ خُطَى الشباب وِثاقا

البلبلُ الغردُ الذي هزَّ الرُّبى
وشجى الغصونَ وحرَّكَ الأوراقا

خَلَفَ البَهاءَ على القريض وكأْسِهِ
فسَقَى بعَذبِ نسيبِه العُشَّاقا

في القيد مُمتنِعُ الخُطى وخياله
يَطوِي البلادَ ويَنشُرالآفاقا

سبَّاقُ غاياتِ البيانِ جَرى بلا
ساقٍ فكيف إذا استرادَّ الساقا ؟

لو يطعمُ الطِّبُّ الصناعُ بيانه
أو لو يسسغُ لما يقولُ مذاقا

غالي بقيمته فلم يصنعُ له
إلا الجَناحَ مُحلِّقاً خفَّاقا

شرفاً نصيرُ ارفعْ جبينكَ عالياً – أحمد شوقي

شرفاً نصيرُ ارفعْ جبينكَ عالياً
وتَلقَّ من أوطانك الإكليلا

يَهنِيكَ ما أُعطِيتَ من إكرامِها
ومُنِحْتَ مِن عطف ابنِ إسماعيلا

اليومَ يَومُ السَّابِقين فكنْ فتًى
لم يبغِ من قصبِ الرِّهانِ بديلا

وإذا جَرَيْتَ مع السوابق فاقتحِمْ
غرراً تسيل إلى المدى وحجولا

حتى يراكَ الجمعُ أوَّلَ طالعٍ
ويَرَوْا على أَعرافِك المِنْديلا

هذا زمانٌ لا توسُّط عنده
يَبْغِي المُغامِرُ عالياً وجليلا

كنْ سابقاً فيه أَو کبْقَ بِمَعْزِلٍ
ليس التوسُّطُ للنُبوغِ سبيلا

ياقاهرَ الغربِ العتيدِ ملأته
بثناءِ مِصْرَ على الشفاهِ جَميلا

قلَّبتَ فيه يداً تكاد لشدَّة
في البأْسِ ترفع في الفَضاءِ الفِيلا

إن الذي خلق الحديدَ وبأسه
جعل الحديد لساعديكَ ذليلا

زَحْزَحْتَه فتخاذلتْ أَجلادُه
وطَرحْتَه أَرضاً فصَلَّ صَليلا

لِمَ لا يَلِينُ لك الحديدُ ولم تزَلْ
تتلو عليه وتقرأُ التَّنزِيلا؟

الأَزْمَة اشْتَدَّتْ ورانَ بلاؤُها
فاصدمْ بركنك ركنها ليميلا

شمشونُ أَنت وقد رَستْ أَركانُها
فتَمشَّ في أَركانِها لِتَزولا

قلْ لي نصيرُ وأنت برٌّ صادقٌ
أحملتَ إنساناً عليك ثقيلا ؟

أحملتَ ديناً في حياتك مرَّة ً ؟
أحملتَ يوماً في الضُّلوعِ غليلا ؟

أحملتَ ظلماً من قريبٍ غادرٍ
أو كاشحٍ بالأَمسِ كان خَليلا؟

أحملتَ منًّا من قريبٍ مكرَّراً
والليلِ مِنْ مُسْدٍ إليك جَميلا؟

أحملتَ طغيانَ اللثيمِ إذا اغتنى
أَو نال مِنْ جاهِ الأُمورِ قليلا؟

أحملتَ في النادي الغبيَّ إذا التقى
من سامعيه الحمدَ والتّبجيلا ؟

تلك الحياة ُ وهذه أَثقالُها
وزن الحديدُ بها فعاد ضئيلا

بأَرضِ الجيزة ِ اجتازَ الغَمامُ – أحمد شوقي

بأَرضِ الجيزة ِ اجتازَ الغَمامُ
وحلَّ سماءَها البدرُ التمام
وزار رياضَ إسماعيلَ غيثٌ
كوالدِه له المِنَنُ الجِسام

ثَنَى عِطْفَيْهِمَا الهرمانِ تِيهاً
وقال الثالثُ الأَدنى : سلام
هَلُمِّي مَنْفُ؛ هذا تاجُ خوفو
كقرصِ الشمسِ يعرفه الأنام

نَمتْهُ من بني فِرعَوْنَ هامٌ
ومن خلفاء إسماعيلَ هام
تألقَ في سمائكِ عبقرياً
عليه جلالة ٌ وله وسام

ترعرعَتِ الحضارة ُ في حلاهُ
وشبَّ على جواهرِه النظام
ونال الفنُّ في أولى الليالي
وأخراهنَّ عزَّا لا يرام

مشَى في جيزة الفُسطاط ظِلٌّ
كظلِّ النيلِ بلَّ به الأوام
إذا ما مَسّ تُرْباً عاد مِسْكاً
ونافسَ تحته الذهبَ الرَّغام

وإنْ هو حَلَّ أرضاً قام فيها
جِدارٌ للحضارة ِ أَو دِعام
فمدرسة ٌ لحرب الجهل تبنى
ومستشفى يذادُ به السقامودارٌ يُستَغاثُ بها فَيَمضي

إلى الإسعافِ أنجادٌ كرامُ
أُساة ُ جِراحة ٍ حِيناً وحِيناً
مَيازيبٌ إذا انفجر الضِّرام
وأحواضٌ يراضُ النيلُ فيها

وكلُّ نجيبة ٍ ولها لجام
أبا الفاروقِ أقبلنا صفوفاً
وأَنتَ من الصفوفِ هو الإمام
طلعتَ على الصعيدِ فهشَّ حتى

علا شَفَتَيْ أَبي الهول ابتسام
ركابٌ سارتِ الآمالُ فيه
وطافَ به التلفُّتُ والزحام
فماذا في طريقك من كفور

أجلُّ من البيوتِ بها الرجام؟
كأن الراقدين بكل قاعٍ
همُ الأيقاظُ واليقظى النِّيام
لقد أَزَمَ الزمانُ الناسَ فانظُرْ

فعندكَ تفرجُ الإزمُ العظام
وبعدَ غدٍ يفارقُ عامُ بؤسٍ
ويَخلُفه من النَّعماءِ عام
يَدورُ بمصرَ حالاً بعدَ حالٍ

زمانٌ ما لحاليهِ دوام
ومصرُ بناءُ جدَّكَ لم يتممْ
أليس على يديكَ له تمام؟
فلسنا أمة ً قعدتْ بشمسٍ

ولا بلداً بضاعتُه الكلام
ولكنْ هِمَّة ٌ في كلِّ حينٍ
يَشُدُّ بِناءَها المَلِكُ الهُمام
نرومُ الغاية َ القصوى فنمضي

وأنت على الطريقِ هو الزمام
ونقصر خطوة ً ونمدُّ أخرى
وتلجئنا المسافة والمرام
ونَصبرُ للشدائدِ في مقامٍ

ويغلبنا على صبر مقام
فقوِّ حضارة َ الماضي بأخرى
لها زَهْوٌ بِعصرِكَ واتّسامُ
ترفُّ صحائفُ البرديِّ فيها

وينطقُ في هياكلها الرُّخامرَعَتك ووادياً ترعاه عنَّا
من الرحمنِ عينٌ لا تنامفإن يك تاجُ مصرَ لها قواماً

فمصرُ لتاجها العالي قواملِتهنأ مصرُ ولْيَهْنأ بَنوها
فبينَ الرأْسِ والجِسمِ التئام

اتخذتِ السماءَ يا دارُ ركنا – أحمد شوقي

اتخذتِ السماءَ يا دارُ ركنا
وأَوَيْتِ الكواكب الزُّهْرَ سَكْنا

وجمعتِ السعادتين فباتت
فيك دُنيا الصلاحِ للدين خِدنا

نادَمَا الدهر في ذراكِ وفَضَّا
من سُلاف الودادِ دَنّاً فدَنّا

وإذا الخلقُ كان عقدَ ودادٍ
لم ينل منه منْ وشى وتجنَّى

وارى العلمَ كالعبادة في أب عدِ
غاياته: إلى الله أدنى

واسعَ الساحِ يرسل الفكرَ فيها
كلُّ مَن شكَّ ساعة ً أَو تَظنَّى

هل سألنا أبا العلاءِ وإن قلَّ ب
عيناً في عالم الكونِ وَسْنَى

كيف يهزا بخالق الطيرِ منْ لم
يعلم الطيرَ هل بكى أو تغنَّى ؟

أَنتِ كالشمس رفرفاً والسماكيْنِ
روافاً وكالمجرَّة صحنا

لو تَستَّرْتِ كنتِ كالكعبة الغرّاءِ
ذيلاً من الجلال وردنا

إن تكن للثواب والبِرِّ داراً
أَنت للحق والمراشدِ مَغْنَى

قد بلغتِ الكمال في نصف قرنٍ
كيف إن تمت الملاوة قرنا؟

وهْوَ باقٍ على
المدى ليس يفنى

يا عكاظاً حوى الشبابَ فصاحاً
قرشينَ في المجامع لسنا

بَثَّهُمْ في كنانة الله نوراً
مِن ظلام على البصائر أَخْنَى

علموا بالبيانِ لا غرباءَ
فيه يوماً ولا أعاجمَ لكنا

فتية ٌ محسنون لم يُخْلِفوا لمَ
رجاءً ولا المعلِّمَ ظنّا

صدعوا ظلمة ً على الريف حلتْ
وأَضاءوا الصعيدَ سهلاً وحَزْنا

منْ قضى منهمُ تفرَّق فكراً
في نُهَى النَّشْءِ أَو تَقَسَّم ذِهنا

نادِ دارَ العلوم ان شئتَ: يا عائش
أو شئتَ نادها: يا سكينا

قل لها: يا ابنة المبارك إيهٍ
قد جَرَتْ كاسمه أُمورُكِ يُمْنا

هو في المهرجان حَيٌّ شهيدٌ
يجتلي غرسَ فضله كيف أجنى

وهو في العرسٍ إن تحجَّبَ
أو لم يَحْتَجِب والدُ العروسِ المُهنّا

ما جرى ذكرهُ بناديكِ حتى
وقف الدمعُ في الشؤونِ فأَثنى

ربَّ خيرٍ ملئتَ منه سروراً
ذكر الخيرين فاهتجتَ حزنا

أَدَرَى إذا بناك أَنْ كان يبني
فوق أنف العدو للضاد حصنا؟

حائطُ الملكِ بالمدارس إن شِئْتَ
وإن شِئْت بالمعاقل يُبنى

انظر الناس هل ترى لحياة
عطّلتْ من نباهة ِ الذكرِ معنى ؟

لا الغنى في الرجال ناب عن الفض لِ
وسلطانهِ ولا الجاهُ أغنى

رُبَّ عاثٍ في الأَرض لم تجعل الأَرضُ
له إن أَقام أَو سار وَزنا

عاش لم ترْمِهِ بعينٍ وأَودى
هملاً لم تهب لناعيه أذنا

نظمَ الله مُلكَه بعبادٍ
عبقرين أورثوا الملكَ حسنا

شغلتهم عن الحسود المعالي
إنما يحسدُ العظيمُ ويشنا

من ذكيِّ الفؤادِ يورثُ علماً
أو بديعِ الخيالِ يخلقُ فنَّا

كم قديمٍ كرقعة ِ الفنِّ حرٍّ
لم يقلل له الجديدان شأنا

وجديدٍ عليه يختلف الدهرُ
ويفنى الزمانُ قرناً فقرنا

فاحتفظ بالذخيرتين جميعاً
عادة ُ الفطنِ بالذخائر يعنى

يا شباباً سقوني الودَّ محضاً
وسقوا شانئي على الغلّ أجنا

كلما صار للكهولة شعري
أنشدوه فعاد أمردَ لدنا

أُسرة ُ الشاعرِ الرُّواة ُ وما عَنَّوهُ
والمرءُ بالقريب معنى

هم يضنُّون في الحياة بما قال
ويلفونَ في الممات أضنَّا

وإذا ما انقضى وأَهْلُوهُ لم يَعدَم
شقيقاً من الرُّواة أَو کبْنا

النبوغَ النبوغَ حتى تنصُّوا
راية َ العلم كالهلال وأَسنَى

نحن في صورة الممالكِ ما لم
يُصْبِحِ العلمُ والمعلِّمُ مِنّا

لا تنادوا الحصونَ والسُّفنَ وادْعُوا العلم
يُنشىء ْ لكم حصوناً وسُفْنا

إنْ ركبَ الحضارة ِ اخترق الأرْضَ
وشقّ السماءَ ريحاً ومُزْنا

وصَحِبْناه كالغبارِ فلا رجْلاً شدَدْنا
ولا رِكاباً زَمَمْنا

دان آباؤنا الزمانَ مَلِيّاً
ومليَّاً لحادثِ الدهر دنَّا

كم نُباهِي بلحْدِ مَيْتٍ؟ وكم نحملُ
من هادمٍ ولم يبنِ منّا؟

قد أتى أن نقول: نحن ولا نسمع
أبناءنا يقولون : كنَّا

نُراوَحُ بالحوادثِ أَو نُغادَى – أحمد شوقي

نُراوَحُ بالحوادثِ أَو نُغادَى
ونُنكرُها ونُعطيها القِيادا

ونحمَدُها وما رعتِ الضَّحايا
ولا جزتِ المواقفَ والجهادا

لحاها اللهُ باعتنا خيالاً
من الأَحلامِ واشترتِ اتّحادا

مشيْنا أَمسِ نلقاها جميعاً
ونحنُ اليومَ نلقاها فرادى

أضلتنا عن الإصلاح حتى
عَجَزْنا أَن نُناقشَها الفسادا

تُلاقِينا فلا نَجِدُ الصَّياصِي
ونَلقاها فلا نجدُ العَتادا

ومَنْ لَقِيَ السِّباعَ بغيرِ ظفرٍ
ولا نابٍ تمزَّقَ أَو تفادَى

خَفضنا من عُلُوِّ الحقِّ حتى
تَوهَّمنا السيادة َ أَن نُسادا

ولمَّا لم نَنلْ للسيفِ ردّاً
تنازعْنا الحمائلَ والنِّجادا

وأقبلنا على أقوالِ زورٍ
تجيءُ الغيَّ تقلبه رشادا

ولو عُدنا إليها بعدَ قرْنٍ
رحمنا الطرسَ منها والمدادا

وكم سحرٍ سمعنا منذُ حينٍ
تضاءَلَ بين أَعيُننا ونادى

هنيئاً للعدوِّ بكلِّ أرضٍ
إذا هو حلَّ في بلدٍ تعادى

وبُعداً للسيادة ِ والمعالي
إذا قطعَ القرابة َ والودادا

وربَّ حقيقة ٍ لا بدَّ منها
خدعْنا النَّشْءَ عنها والسَّوادا

تعدُّ لحادثِ الأيام صبراً
وآونة ً تعدُّ له عنادا

وتخلف بالنهى البيضَ المواضي
وبالخُلق المثقَّفة الصِّعادا

لمحنا الحَظَّ ناحية ً فلما
بلغناها أحسَّ بنا فحادا

وليس الحظُّ إلا عبقريَّا
يحبُّ الأريحية َ والسدادا

ونحن بنو زمانٍ حواليٍّ
تنقلَ تاجراً ومشى ورادا

إذا قعد العبادُ له بسوقٍ

شرى في السوق أَو باع العِبادا

وتعجبه العواطفُ في كتابٍ

وفي دمع المُشَخِّصِ ما أَجادا

يُؤمِّننا على الدستورِ أَنَّا
نرى من خلفِ حوزته فؤادا

أبو الفاروق نرجوه لفضلٍ
ولا نخشى لِما وَهبَ ارتدادا

ملأنا باسمه الأفواهَ فخراً
ولقبناه بالأمسِ المكاد

نُناجيه فنسترعِي حكيماً
ونسأَله فنستجدي جَوَادا

ولم يزلِ المحبَّبَ والمفدَّى
ومرهمَ كلِّ جرحٍ والضِّمادا

تَدفَّق مَصْرفُ الوادي فرَوَّى
وصابَ غمامُهُ فسقى وجادا

دعا فتنافستْ فيه نفوسٌ
بمصرَ لكلِّ صالحة ٍ تنادى

تقدمُ عونها ثقة ً ومالاً
وأحياناً تقدمهُ اجتهادا

وأقبلَ من شبابِ القومِ جمعٌ
كما بنتِ الكهولُ بنى وشادا

كأن جوانبَ الدارِ الخلايا
وهم كالنحل في الدار احتشادا

فيا داراً من الهممِ العوالي
سُقيتِ التِّبرَ لا أَرْضَى العِهادا

تأَنَّى حينَ أَسَّسَكِ ابنُ حربٍ
وحينَ بنى دعائمكِ الشدادا

ولا ترجى المتانة ُ في بناءٍ
إذا البنَّاءُ لم يُعْطَ اتِّئادا

بنى الدارَ التي كنّا نراها
أمانيَّ المخيَّل أو رقادا

ولم يَبْعُدْ على نفسٍ مَرَامٌ
إذا ركبتْ له الهممَ البعادا

ولم أَرَ بعدَ قدرتِه تعالى
كمَقدِرَة ِ ابنِ آدمَ إن أَرادا

جرى والناسَ في ريب وشكٍّ
يَرومُ السَّبْقَ فاخترقَ الجيادا

وعوديَ ودونها حتى بناها
ومن شأْنِ المجدِّدِ أَن يُعادى

يَهونُ الكيدُ مِنْ أَعدَى عدُوٍّ
عليكَ إذا الوليُّ سعَى وكادا

فجاءت كالنهارِ إذا تجلَّى
عُلُوّاً في المشارقِ وانطيادا

نصونُ كزائمَ الأموالِ فيها
وننزلها الخزائنَ والنضادا

ونُخرجُها فتكسِبُ ثُمَّ تأْوِي
رجوعَ النحل قد حملنَ زادا

ولم أرَ مثلها أرضاً أغلَّتْ
وما سقيتْ ولا طعمتْ سمادا

ولا مُستوْدعاً مالاً لقومٍ
إذا رجعوا له أَدَّى وزادا

ومن عجبٍ نُثبِّتُها أُصولاً
وتِلك فروعُها تَغشَى البلادا

كأنّ القطرَ من شوقٍ إليها
سَما قبلَ الأَساسِ بها عِمادا

ولو ملكتْ كنوزَ الأرضِ كفِّي
جعلتُ أساسها ماساً ورادا

ولو أن النجومَ عنتْ لحكمي
فرشتُ النيِّراتِ لها مِهادا

فتى العقلِ والنَّغْمة ِ العالِيَهْ – أحمد شوقي

فتى العقلِ والنَّغْمة ِ العالِيَهْ
مضى ومَحاسِنُه باقِيَهْ

فلا سوقة ٌ لم تكن أنسهُ
ولا ملكٌ لم تزن ناديه

ولم تَخْلُ مِن طِيبها بَلدة
ولم تَخلُ من ذِكرها ناحيه

يكادُ إذا هو غنَّى الورى بقافية
يُنْطِق القافيه

يَتِيهُ على الماس بعضُ النُّحاسِ
إذا ضَمَّ أَلحانَه الغاليه

وتَحكم في النفس أَوتارُه
على العودِ ناطقة ً حاكيه

وتبلغ موضعَ أَوطارِها
وتُفشِي سَريرتَهَا الخافيه

وكم آية ٍ في الأغانِي له
هي الشمسُ ليس لها ثانيه

إذا ما تنادى بها العارفون قل
البرقُ والرعدُ مِنْ غاديه

فإن هَمَسُوا بعدَ جَهْرٍ بها
فخفقُ الحليِّ على الغانيه

لقد شاب فردي وجاز المَشِيبَ
و عَيْدا شَبِيبتُها زاهيه

تمثِّلُ مصرَ لهذا الزمانِ كما
هي في الأَعْصُرِ الخاليه

ونذكر تلكَ الليالِي بها وننشد
تلك الرؤى الساريه

ونبكي على عزِّنا المنقضي
ونندبُ أيامنا الماضيه

فيا آلَ فردي نُعزِّيكُمُ ونبكي
مع الأسرة ِ الباكيه

فَقَدنا بمفقودِكم شاعِراً
يقلُّ الزمانُ له راويه

يا قلبُ ويحكَ والمودة ُ ذمّة – أحمد شوقي

يا قلبُ ويحكَ والمودة ُ ذمّة
ماذا صنَعْت بعهدِ عبدِ الله؟

جاذبتني جنبي عشية َ نعيهِ
وخفقتَ خفقة َ موجعٍ أوّاه

ولَوَ أنْ قلباً ذابَ إثرَ حَبيبِه
لهوَى بك الركنُ الضعيفُ الواهي

فعليكَ من حُسن المروءَة ِ آمرٌ
وعليك من حسن التجلَّدِ ناه

نزل الطويرُ في الترابِ منازلاً
تهوي المكارمُ نحوها بشفاه

عَرَصاتُها مَمطورَة ٌ بمدامعٍ
مَوْطوءَة ٌ بمفارِقٍ وجِباه

لولا يمينُ الموتِ فوقَ يمينه
فيها؛ لفاضَت من جَنًى ومياه

يا كابراً من كابرين وطاهراً
من آلِ طهرٍ عارفٍ بالله

ومُحكِّماً عَلمَ القضاءِ مكانَه
في المقسطينَ الجلَّة ٍ الأنزاه

وحكيماً کسْتعصَتْ أَعِنَّتُه على
كذبِ النعيمِ وتُرَّهاتِ الجاه

وأخاً سَقى الإخوانَ مِنْ راووقِه
بودادِ لا صَلِفٍ ولا تَيّاه

قد كان شعري شغلَ نفسكَ فاقترح
من كلِّ جائلة ٍ على الأفواه

أنزلتَ منه حينَ فاتكَ جمعه
في منزلٍ بهجٍ بنوركَ زاه

فاقرأ على حَسّانَ منه لعله
بفتاه في مدحِ الرسولِ مُباه

وأنزل بنور الخلدِ جدّكَ واتصلْ
بملائكٍ من آلهِ أَشباه

ناعيكَ ناعي حاتمٍ أو جعفرٍ
فالناسُ بين نوازِلٍ ودواهِ

أَوْحَتْ لطَرْفِكَ فاستهلَّ شؤونا – أحمد شوقي

أَوْحَتْ لطَرْفِكَ فاستهلَّ شؤونا
دارٌ مَرَرْتَ بها على قَيْسونا

غاضَت بشاشتُها وفَضَّتْ شملَها
دنيا تعزُّ السادر المفتونا

نزَلَتْ عَوادِي الدهرِ في ساحاتها
وأَقلَّ رَفْرَفها الخطوبَ العُونا

فتكادُ منْ أسفٍ على آسي الحمى
من كلِّ ناحية ٍ تَثور شجونا

تلك العيادة ُ لم تكن عبثاً ولا
شركاً لصيدِ مآربٍ وكمينا

دارُ ابنِ سِينَا نُزِّهَتْ حُجُراتُها
عن أَن تَضُمّ ضَلالة ً ومُجونا

خَبَتِ المطالعُ مِنْ أَغرَّ مُؤَمَّلٍ
كالفجر ثغراً والصبّاحِ جبينا

ومِنَ الوُفودِ كأَنهم مِنْ حَوْلِه
مرضى بعيسى الروحِ يستشفونا

مثلٌ تصوَّر من حياة ٍ حرة
للنشْءِ يَنطِق في السكوت مُبينا

لم تُحْصَ من عهدِ الصِّبا حَرَكاتُه
وتَخالُهنَّ من الخُشوع سُكونا

جمحتْ جراحُ المعوزين وأعضلتْ
أدواؤهم وتغيَّبَ الشافونا

ماتَ الجوادُ بطبِّه وبأجره

ولربّما بذلَ الدواءَ معينا

وتَجُسُّ راحتُه العليلَ وتارة
تكسو الفقيرَ وتطعم المسكينا

أدّى أمانة َ علمه ولطالما
حمل الصداقة َ وافياً وأمينا

وقضى حقوقَ الأهلِ يحسن تارة
بأَبيه أَو يَصِل القرابة حينا

خُلقٌ ودينٌ في زمانٍ لا ترى
خلقاً عليه ولا تصادف دينا

أمداويَ الأرواحِ قبل جسومها
قمْ داوٍ فيك فؤاديَ المحزونا

روحْ بلفظك كلَّ روحِ معذَّبٍ
حَيرانَ طار بلُبِّه الناعونا

قد كال للقدَر العِتابَ ورُبَّما
ظنَّ المدلَّة ُ بالقضاءِ ظنونا

داويتَ كلَّ محطَّمٍ فشفيتهُ
ونسيتَ داءً في الضلوع دفينا

كبدٌ على دمها اتكأت ولحمها
فحَمَلْتَ همَّ المسلمين سِنينا

ظلتْ وراءَ الحربِ تشقى بالنَّوى
وتَذوب للوطن الكريمِ حنينا

ناصرتَ في فجر القضيَّة ِ مصطفى

فنصرتَ خلقاً في الشَّباب متينا

أقدمتَ في العشرين تحتَ لوائه
وروائعُ الإقدامِ في العشرينا

لم تبغِ دنيا طالما أغضى لها
حُمْسُ الدّعاة ِ وطَأْطَأوا العِرنينا

رحماكَ يوسفُ قفْ ركابكَ ساعة
واعطِف على يعقوبَ فيه حزينا

لم يَدْرِ خلفَ النعشِ من حَرِّ الجَوى
أيشقُّ جيباً أم يشقُّ وتينا؟

ساروا بمهجته فحمِّلَ ثكلها
وقضوا بعائله فمالَ غبينا

أَتعودُ في رَكْبِ الربيعِ إذا کنثنى
بهجاً يزفُّ الوردَ والنَّسرينا؟

هيهات من سَفرِ المنيَّة أَوْبة
حتى يُهيبَ الصُّبحُ بالسارينا

ويقالُ للأرض الفضاء تمخَّضي
فتردّ شيخاً أو تمجّ جنينا

اللهُ أبقى أين منْ جسدي يدٌ
لم أنسَ رفقَ بنانها واللينا؟

حتى تمثَّلتِ العناية ُ صورة

فجررْتُ جُثماني وهانت كُربة
لولا اعتناؤكَ لم تكن لِتهونا

إنّ الشفاءَ من الحياة ِ وعونِها
ما كان آس بالشفاءِ ضَمينا

واليومَ أَرْتجلُ الرِّثاءَ وأَنزَوِي
في مأتمٍ أبكي مع الباكينا

سبحانَ من يرِثُ الطبيبَ وَطِبَّه
ويرى المريض مصارعَ الآسينا

تسائلني كرمتي بالنهار – أحمد شوقي

تسائلني كرمتي بالنهار
وبالليل: أَين سَمِيرِي حَسَنْ؟

وأين النديمُ الشهيُّ الحديثِ؟
وأَين الطَّروبُ اللطيفُ الأُذن؟

نجيُّ البلابل في عشِّها
ومُلْهِمُها صِبْيَة ً في الفَنَن؟

فقلتُ لها: ماتَ واستشعرَت
ليالي السرورِ عليه الحَزَن

لَئِنْ ناءَ من سِمَنٍ جسمُه
فما عرفت روحه ما السمن

وما هو مَيْتٌ ولكنه
بشاشة ُ دهرٍ محاها الزمن

ومَعْنى ً خلا القولُ من لفظِه
وحُلمٌ تَطَايَر عنه الوَسَن

ولا يَذكُر المعهدُ الشرقيُّ
لأنورَ إلا جليلَ المنن

وما كان من صَبره في الصِّعابِ
وما كان من عَوْنِه في المِحَن

وخدمة فنٍّ يداوي القلوبَ
ويشفي النفوسَ ويذكي الفطن

وما كان فيه الدَّعِيَّ الدخيلَ
ولكنْ من الفنِّ كان الركن

ولو أَنصف الصحبُ يومَ الوَداعِ
دفنتَ كإسحاقَ لمّا دفن

فغُيِّبْتَ في المِسْكِ لا في التراب
وأدرجتَ في الوردِ لا في الكفن

وخُطَّ لك القبرُ في رَوْضَة
يميلُ على الغصنِ فيها الغصن

ويَنتحِبُ الطيرُ في ظلِّها
ويَخلَعُ فيها النسيمُ الرَّسَن

وقامت على العود أَوتارُه
تُعيد الحنينَ وتُبدي الشَّجَن

وطارحَكَ النايُ شَجْوَ النُّوَاحِ
وكنتَ تَئِنُّ إذا النايُ أَنْ

ومال فناحَ عليكَ الكَمانُ
وأَظهر من بَثِّه ما كَمَن

سلامٌ عليكَ سلامُ الرُّبا
إذا نفحتْ والغوادي الهتن

سلامٌ على جِيرة ٍ بالإمام
ورَهْطٍ بصحرائه مُرْتَهَن

سلامٌ على حُفَرٍ كالقباب
وأُخرى كمُندرِساتِ الدِّمَن

وجمعٍ تآلفَ بعدَ الخلافِ
وصافى وصوفيَ بعد الضَّغن

سلامٌ على كلِّ طَوْدٍ هُناك
له حَجَرٌ في بناءِ الوطن

z