يا غاديا ببريد الشام ينتحب – أحمد محرم

يا غاديا ببريد الشام ينتحب … ماذا دهاك وماذا أنت محتقب

ما للحقائب ولهى لا قرار لها … ماذا تمج بها الأنباء والكتب

إني أرى الدم يجري من جوانبها … فالأرض حولك مخضلٌ ومختضب

أنصت لتسمع ما ضمت جوانحها … إني لأسمع فيها الحزن يصطخب

أفرغ غليل الأسى ناراً على كبدي … وخل قلبي لأخرى فيه تلتهب

هذي لمصر تؤدي الحق ناحية ً … وتلك للشام تقضي منه ما يجب

همان في كل جنبٍ منهما ضرمٌ … عالٍ وفي كل عينٍ واكفٌ سرب

عاثت يد الشر بالقطرين وانطلقت … في الأمتين عوادي الدهر والنوب

تغشاهما زمراً تحتثها زمرٌ … ترمي بها عصبٌ تقتادها عصب

ضاق الفضاء فما يمشي به نفسٌ … إلا يكاد على الأعقاب ينقلب

كأن للمرء من أعضائه رصداً … يكاد ينقض من عينيه أو يثب

ما يرهب المرء أو يرجو وقد نكبت … منا النفوس بعيشٍ كله رهب

أعدى على الشر يومٌ منه مختضر … لا خير فيه ويومٌ بعد مرتقب

يا أمة في ربوع الشام يوحشها … عيشٌ جديبٌ وربعٌ للمنى خرب

طاحت بآمالها الخضر اللدان يدٌ … خضر الحدائق في إعصارها حطب

عسراء سوداء يجري من أناملها … حتف الشعوب ويهمي الويل والحرب

لا تلمس الأرض إلا اسود جانبها … بعد الضياء وجف الماء والعشب

ماذا لقيت من القوم الألى كفرت … ممالك الشرق ما منوا وما وهبوا

ظنوا الحضارة لا تعدو منازلهم … ولا تجاوزهم أيان تنتسب

وأننا أممٌ فوضى مضللة ٌ … تظل في غمرات الجهل تضطرب

ضج الزمان ارتياعاً من جرائرها … وذاقت المر من أخلاقها الحقب

رموا بعهدك في هوجاء عاصفة ٍ … ما تستطاع ولا يرجى لها طلب

طارت فما علقت منها بأجنحة ٍ … نكب الرياح ولا همت بها السحب

ضاع الحمى واستباح الضيم جانبكم … أين الحماة وأين العطف والحدب

أين المواعيد تستهوي روائعها … منكم نفوساً أبياتٍ وتختلب

لا تعجبوا إن رأيتم موعداً كذباً … إن السياسة من أسمائها الكذب

ماذا ترجون من أمنٍ ومن دعة ٍ … المال يسلب والأرواح تنهب

يا أمة البأس أين البأس يمنعكم … يا أمة المجد أين المجد والحسب

لا تقبلوا الضيم واحموا من محارمكم … إن المحارم مما تمنع العرب

إني أرى أمم الغبراء يشغلها … جد الأمور فلا لهوٌ ولا لعب

إما الحياة يصون العز جانبها … عن الهوان وإما الحتف والعطب

ويلي على الجيرة الغالين يأخذهم … من طارق البؤس حتى العري والسغب

أزرى بهم من خطوب الدهر ما طعموا … وغالهم من هموم العيش ما شربوا

لو أنصفوا البأس لم ينزل بساحتيهم … ظلمٌ ولا شفهم همٌ ولا نصب

لا يعجب الفاتح المغتر إن غضبوا … إن الضراغم من أخلاقها الغضب

كأنني للأيامى الجازعات أخٌ … ولليتامى الألى ملوا الحياة أب

أحنوا وأعطف لا مالٌ ولا ولدٌ … لي بالشآم ولا قربى ولا نسب

ما هاجني شجن بالشام أطلبه … وإنما هاجني الإسلام والأدب

إن الحضارة دين الله نعرفها … في محكم الذكر لا ظلمٌ ولا شغب

الناس أهل وإخوان سواسية ٌ … في كل شيءٍ فلا رأسٌ ولا ذنب

العدل إن حكموا والحق إن طلبوا … والخير إن عملوا والبر إن رغبوا

حتى لو اعوج في أحكامه عمرٌ … هبت تقومه الهندية القضب

الحكم لله فرداً لا شريك له … ألا له الملك والسلطان والغلب

أقام الناس ديناً من جلالته … تهوي التماثيل عن ركنيه والنصب

قل للملوك أفيقوا من وساوسكم … زالت غواشي العمى وانشقت الحجب

فلا الشعوب تسام الخسف من ضعة ٍ … ولا الحقوق بأيدي العسف تغتصب

أشعلتم الحرب ملء الأرض ظالمة ٌ … فوضى المذاهب حمقى ما لها سبب

إذا تدافع فيها جحفلٌ لجبٌ … خاض الحتوف إليه جحفلٌ لجب

زجوا الملايين في أعماقها أمماً … يوفون بالذر إن عدوا وإن حسبوا

من كل أهوج قذافٍ بأمته … في جوف جاواء يذكيها ويجتنب

تدفق الدم لم يمدد إليه يداً … ولم يرعه رعافٌ منه ينسكب

أقوت خزائنهم فاستحدثوا ورقاً … يهفو مع الريح إلا أنه نشب

زادوا به الحرب من جهلٍ ومن نزقٍ … ما كف من مثله واستنكف الذهب

ظلت تهون على الأيام قيمته … حتى ترفع عنه الترب والخشب

يبتاع ذو الألف منه حين يملكها … أدنى وأهون ما يشرى ويجتلب

لو فارق الناس أو طاح الزوال به … إذن لزال عناء العيش والتعب

يا أمة الشام هل بالشام مبتهجٌ … والنيل من أجلكم حران مكتئب

صونوا البلاد وكونوا معشراً صبراً … لا يخفضون جناح الذل إن نكبوا

دعوا لفيصل ما تملي مشيئته … لا فيصل اليوم إلا المرهف الذرب

أمسى معنى الأماني ما تصان له … تلك العهود ولا يقضى له أرب

لم يلبس التاج حتى راح يخلعه … مشرداً في فجاج الأرض يغترب

كانت أماني أو أحلام ذي سنة ٍ … طارت فلا أممٌ منه ولا كثب

إن يفزع النيل والأردن ما بهما … فبالفرات وشطى دجلة العجب

ويح العراق وقومٌ بالعراق علا … ضجيجهم وتمادى منهم الصخب

طاش الرجاء بهم فالأمر مضطربٌ … فوضى بأرجائه والصدع منشعب

بغداد تنظر والأحشاء خافقة ٌ … والعين دافقة ٌ والقلب مرتقب

أين الرشيد وأيامٌ له سلفت … أين الحماة وأين الفتية النجب

دار السلام أهزتك الخطوب أسى ً … لما فجعت بهم أم هزك الطرب

أين الحضارة يحميها ويرفعها … للبأس والعدل منهم معقل أشب

جاءوا بغربية ٍ ما لاح طالعها … في الشرق حتى هوت عن أفقه الشهب

وحشية الدار والأنساب ما برحت … خلف الطرائد في الآفاق تنسرب

كل الشعوب لها في أرضه قنصٌ … ولك ما ملكت أيمانهم سلب

تمشي الضراء تصادينا وآونة ً … تنقض ضاحية ً يعدو بها الكلب

هبوا بني الشرق لا نومٌ ولا لعبٌ … حتى تعد القوى أو تؤخذ الأهب

ماذا تظنون إلا أن يحاط بكم … فلا يكون لكم منجى ً ولا هرب

كونوا به أمة ً في الدهر واحدة ً … لا ينظر الغرب يوماً كيف تحترب

الدين لله لا الإسلام يصرفها … عن الحياة ولا الأوثان والصلب

ما للسياسة تؤذينا وتبعدنا … عما يضم قوانا حين نقترب

أغرت بنا الخلف حتى اجتاح قوتنا … وطاح بالشرق ما تجني وترتكب

تقتاد شعباً إلى شعبٍ ومملكة ٍ … في إثر مملكة ٍ أخرى وتجتذب

أغارة ً جد رواد السلام بها … لولا الفريسة ما جدوا ولا دأبوا

تكشف الغرب وانصاحت مآربه … فلا الشكوك تواريها ولا الريب

لا عذر للقوم إن قلت انفروا فأبوا … الحزم مستنفرٌ والرأي منتدب

سيروا بني الشرق في ظل الإخاء عسى … أن تفلحوا ولعل الصدع برتئب

كلمات: ابراهيم خفاجي

ألحان: طلال مداح