وَافى الْحَدِيثُ إِلَى غَرِيبِ الدَّارِ – خليل مطران

وَافى الْحَدِيثُ إِلَى غَرِيبِ الدَّارِ … عَنْ ليْلَةٍ مَرَّتْ وَمَا هُوَ دَارِ

أَحْيَيْتُمُوهَا وَالْحَيَاةُ أُحَبُّهَا … وَقْتٌ قَتِيلٌ فِي قَتِيلِ عُقارِ

أَنْتُمْ وَأُسْرَتكمْ هُناك بِغِبْطَةٍ … وَأَنَا بِحُرْمَان هُنَا وَإِسَارِ

لَكُمُ المِتَاعُ بِكلِّ شَيءٍ طيِّبٍ … وَلِيَ الْمِتَاعُ بِطَيِّبِ الأَخْبَارِ

غَنَّى جَمِيلٌ بَالِغاً غايَاتِهِ … فِي الفنِّ حَتَّى كانَ فَجْرُ نَهَارِ

وَأَجَادَ سَامٍ مَا أَرَادَ مُحَرَّكاً … قَلْبَ الدَّجَى بِعَوَامِلِ الأَوتارِ

قُتِلَ الخَرُوفُ وَلَمْ يُحَلَّلْ قَتْلُهُ … فِي غَيْبَتِي سَتَرَوُنَ أَخْذَ الثَّارِ

خَطْبٌ جَلِيلٌ فِي الذبَائِحِ لاَ تَفِي … لِتُقِيدَ مِنْهُ جَلاَئِلُ الأَوْتَارِ

عَبْدُ الْمَسِيحِ وَنَخْلَةٌ رَاعَا بِهِ … سَمَعِي وَمَا لَطُفا لدَى الإِشْعَارِ

فَلِذَاكَ بِتُّ وَفِي ضَمِيرِي نِيَّةٌ … لَكُمُ سَتُمْسِي أَفْكَهَ الأَسْمَارِ

صَحِّحْ فَقَوْلِي أَفْكَهْ الأَسْمَارِ لاَ … تَغْلَطْ فَتَقْرَأْ أَفْكَهَ الأَثْمَارِ

هِذي الْحِكَايَةُ أَذْكَرَتْنِي أَنَّ لِي … شَكْوَى إِلَيْكَ عَظِيمَةُ الأَخْطَارِ

أَشْكُو إِلَيْكَ المُتْجِرِينَ فَأَنهُمْ … جَعَلُوا بِفَضْلِكَ رِيبَةً لِلشارِي

مَنْ يَشْتَرِ الطرْبُوشَ يَكْشِفُ سِتْرَهُ … بِيدَيْهِ وَالطرْبُوشُ بِالدِّينَارِ

فَاضْرِبْ عَلَى أَيْدِي الغُلاَةِ وَلاَ تَبَحْ … كَسْبَ الخِيَارِ لِمَطْمَعِ الأَشْرَارِ

أَوْ فَاعْذُرِ الأَحْرارَ إِنْ هَانَتْ لهُمْ … دُونَ السُّؤَالِ مَصَاعِبُ الأَعْذَارِ

يَا صَاحِبِي وَسِوَاك لَيْس بِصَاحِبٍ … فِي حَالَةٍ إِنْ آذَنَتْ بِبَوَارِ

رَأْسُ الْخَلِيلِ يُكَادُ يَغْدُو حَاسِراً … لا شَيءَ يَدْرَأُ عَنْهُ لَذْعَ النَّارِ

وَهْوَ الَّذِي ما زَالَ مَصْنَعُ فِكْرِهِ … يَكْسُوكَ تِيجاناً مِنَ الأَشْعَارِ

بِالأَمْسِ كانَ يُقَالُ قَوْلَ تَبَجُّحٍ … شَرْقٌ وَأَلْبِسةُ الرُؤُوسِ عَوَارِي

فَخَلَقْتَ فِيهِ صِناعَةً أَهْليَّةً … ردَّتْ لَهُ قَدْراً مِنَ الأَقْدَارِ

حَتَّى إِذَا أَنْقَذْتَهُ مِنْ عَارِهِ … أَتُرَاكَ تَرْضَى أَنْ يَبُوءَ بِعَارِي

زَعَمُوا لِيَ التَّبْرِيزَ فِي أُدَبائِهِمْ … فَإِذا أَضاعُونِي فَأَيُّ شَنَارِ

بِاللهِ كيْفَ أَقُولُ إِن أَخِي لَهُ … فَضْلٌ عَلَى رَأْسِي وَرَأْسِي عَارِ

لَوْ كان مَا يُعْطِي بِمِقْدَارِ الهَوَى … لرَجَّحْتُ كُلَّ النَّاسِ بِالمِقَدَارِ

مَا كان أَظْفَرَنِي بِأَقْصَى حَاجَتِي … لَوْ لمْ يَكُنْ لِسَوى الغِني إِيثارِي

أَسَفاً لَقَدْ ضيَّعْتُ فِي أَدَبِي وَفِي … تَهْذِيبِ نَفْسِي أَنْفَسَ الأَعْمَارِ

لاَ أَمْلِكُ الدِّينَارَ إِلا بَائِعاً … فِي صَفْقَةٍ مَجْمُوعَةٍ آثَارِي

وَلَوْ أَنَّنِي أَلْفَيْتُ مَنْ يَرْضَى بِهَا … لَكِنْ قِليلٌ مُقْتنِي الأَسْفارِ

إِربَأْ بِوُلْدِكَ أَنْ يَزِيدَ أَلَبُّهُمْ … عَنْ كَاتِبٍ مُتَوَسِّطٍ أَوْ قَارِي

عَلِّمْهُمُ الْعِلْمَ الصَّحِيْحَ وَإِنهُ … لِلنشْبِ فِي الفُرْصَاتِ بِالأَظْفَارِ

وَلْتقْوَ حِيَلَةُ عَقْلِهِمْ فَتُقِلهُمْ … كَالْفُلْكِ فِي بَحْرٍ بَعيدِ قَرَارِ

وَلْيَصْبِرُوا لِلْحَادِثَاتِ إِذَا عَصَتْ … آمَالُهُمْ فَالفَوزُ لِلْصَبَّارِ

وَلْيُجْعَلِ الخُلُقُ العَظِيمُ خَلاَقَهُمْ … فَبِهِ تَتِمِّ عَظَائِمُ الأَوْطَارِ

وَبِهِ يَعُودُ هَوَى النفُوسِ إِلى الهُدَى … بِتَسَلُّطِ الآرَاءِ وَالأَفْكَارِ

أَحْبِبْ بِهِمْ وَبِمَا يَهِيجُ خطورَهُمْ … فِي خَاطِرِي مِنْ شائِقِ التذْكَارِ

بِالأَمْسِ أَحْمِلهُمْ وَكَانُوا خمْسَةً … وَاليَوْمَ قَدْ وَقُرُوا وَزَاد وَقَارِي

الْيوْمَ لَوْ جَارَيْتُهُمْ فِي شَوْطِهِمْ … لَمْ أُلْفِنِي لِبَطيئِهِمْ بِمُجَارِ

أَضْحَى الذُّكُورُ نُجَابَةً وَرُجُولَةً … مِنْ جِيلِهِمْ فِي الصَّفْوَةِ الأَحْرَارِ

وَسَلِيلَتَاكَ أَرْاهُمَا قَدْ فَاقتَا … عَقْلاً وَحُسْناً سَائِرَ الأَبْكَارِ

مُؤْتَمِتَّينِ مِثَالَ أُمٍ حُرةٍ … بَرِئَتْ شَمَائِلُهَا مِنَ الأَوْضَارِ

بِالأَمْسِ أَلْعَبُ بَيْنَهُمْ وَلِرُبَمَا … سَكَنَ الكَبِيرُ إِلى دِعَابِ صِغَارِ

وَأُدِيرُهُمْ حَتَّى يَعُودَ نِظامُهُمْ … كَالشُّهْبِ فِي فَلَكٍ بِهَا دَوارِ

وَالْيَوْمَ أَبْصُرُ بِالسِّبَالِ تَذَنَّبَتْ … وَتعَقْرَبَتْ وَسَطَتْ عَلَى الأَبْصَارِ

وَأَرَى جَمَالَ كَرِيمَتَيْكَ مُرَعْرَعاً … فَأَرَى البِدَاعَةَ فِي صَنِيعِ الْبَارِي

رَهْطٌ إِذَا كَانتْ مُبَاسَطَةُ الصِّبَا … فِيهِمْ فَهُمْ فِي الجِدِّ جِدُّ كِبَارِ

إِنْ أَلْقَهُمْ أَتَغَالى فِي إِكْرَامِهِمْ … مُتَحَاشِياً إِبْدَاءَ الاِسِتصْغَارِ

كُلاًّ أُحَيِّي بِاحْتِشَامٍ طَائِلٍ … وَأَخافُ تَقْصِيراً مَعِ الإِقْصَار

جَمَحَ اليَرَاعَ فَرَاحَ مِنْ غُلْوَائِهِ … يَجْتازُ مِضْمَاراً إلى مِضْمَارِ

لَكِنَّنِي جَدّاً وَمَزْحاً لاَ أَنِي … أَهْدِي بِمَوْعِظَتِي سَبِيلَ السَّارِي

أَبْنِي رِجَالاً لِلْبِلادِ بِأَرْؤُسٍ … وَعَلَيْكَ كِسْوَةَ هَامِهِمْ بِفَخَارِ

أَمَّا الذُّرَى المُتَشَبِّهَاتُ بِأَرْؤُسٍ … مِنْ غَيْرِ مَا عَقْلٍ وَلاَ اسْتِبْصَارِ

تِلْكَ الَّتِي لاَ خَيْرَ مِنْهَا يُرْتَجَى … فلْتبْقَ حَاسِرَةً مَدَى الأَدْهَارِ

رَأْسُ الحِمَارِ حَرىً بِعُريٍ دَائِمٍ … هَلْ يَنفْعُ التَّعْصِيبُ رَأْسَ حِمَارِ

عَودٌ إِلى مَا كُنْتُ مِنْهُ شاكِياً … فاسْمَعْ وَأَنْصِفْنا مِنَ التُّجَّارِ

نرْجوك إِمَّا سَاتِراً لِرُؤوسِنا … أَوْ كَاشِفاً لِمَظَالِمِ الفُجَّارِ

وَلأَنْتَ أَسْمَحُ مَنْ يُؤَمُّ جَنَابُهُ … فَيُعيدُ إِعْسَاراً إِلى الإِيسارِ