نزلتُ إلى حديقتنا .. – نزار قباني

نزلتُ إلى حديقتنا ..

أزورُ ربيعَها الراجعْ

عجنتُ ترابَها بيدي

حضنتُ حشيشَها الطالعْ ..

رأيت شجيرةَ الدراقِ

تلبس ثوبها الفاقعْ

رأيت الطير محتفلاً

بعودة طيره الساجعْ

رأيتُ المقعدَ الخشبيَّ

مثلَ الناسك الراكعْ

سقطتُ عليه باكيةً

كأني مركبٌ ضائعْ …

أحتّى الأرض يا ربي ؟

تُعبِّر عن مشاعرها

بشكلٍ بارعٍ .. بارعْ

أحتى الأرضُ يا ربّي ؟

لها يومٌ .. تحبُ به ..

تبوحُ به..

تضمُّ حبيبَها الراجِعْ

رُفوفُ العشبْ من حولي ..

لها سببٌ .. لها دافعْ

فليس الزنبقُ الفارغْ

وليس الحقلُ ، ليس النحلُ ،

ليس الجدولُ النابعْ

سوى كلماتِ هذي الأرض ..

غيرَ حديثها الرائعْ …

أُحسُّ بداخلي بعثاً

يُمزّقُ قشرتي عنّي

ويسقي جذريَ الجائعْ

ويدفعني لأن أعدو..

مع الأطفال في الشارعْ

أريدُ ..

أريدُ أن أعطي

كأية زهرةٍ في الروض

تفتح جفنَها الدامعْ

كأيّة نحلةٍ في الحقل

تمنحُ شهدَها النافع

أريدُ ..

أريدُ أن أحيا

بكل خليَّةٍ مني

مفاتنَ هذه الدنيا ..

بمُخْمل ليلها الواسعْ

وبَرْدِ شتائها اللاذعْ

أريدُ ..

أريدُ أن أحيا ..

بكل حرارة الواقعْ

بكل حماقة الواقعْ …

0