قصيدة الكتابةُ بالحِبْر السريّ – نزار قباني

هُمْ يكتبُونَ .. كأنهمْ لا يكتُبُونْ .

ويُعاصِرون سقوطَ تاريخٍ ..

وهمْ مثلَ الدَجَاج مُجلَّدُونْ ..

ويُسافرونَ ..

بغير أقدامٍ ، على أوراقهمْ

ويُضاجعون نساءَهم ليلاً

وهُمْ مُتنكّرونْ ..

وطنٌ تَنَاثرَ كالغُبَار أمامهمْ

وهُمُ على أطلاله يتنَزَّهُونْ ..

هُمْ خائفونَ ..

على أناقَتِهمْ ..

وقَصَّةِ شَعْرِهمْ ..

وعلى نَشَاءِ قميصهِمْ ..

هُمْ خائفُونْ .

3

حتى يُبْدِعُوا ..

مِنْ بَعْدِ زيتِ الكازِ ..

ماذا يشربُونْ ؟

هل هؤلاءِ طليعةٌ ثوريَّةٌ

أم باعةٌ مُتجولُونْ ؟؟

4

البائعونَ ثقافةً مغْشُوشَةً

والراقدونَ بغرفةِ الإنعاشِ ..

لا يتحركُّونْ ..

والسائحونَ على ضِفَاف جِراحِنا

ماذا سيفعلُ هؤلاءِ السائحونْ ؟

فمِنَ المقاهي ..

يُعلنونَ حُرُوبَهُمْ .

ومن المقاهي ..

يُطْلِقُونَ رصَاصَهُمْ

وعلى كراسيها الوثيرةِ

يحضنُونَ بُيُوضَهُمْ ..

ويُفرِّخُونْ ..

ما أجْبَنَ الثَوْرَاتِ

تخرُجُ من كُؤُوسِ اليانَسُونْ !!

5

ماذا يريدُ الأنبياءُ الكاذبونْ ؟

الثائرونَ على دفاترهمْ

والشاهرُونَ سيوفَ أحْرفُهِم

وهُمْ مُتَقاعِدُونْ ..

والحاملونَ طُبولَهُمْ .. ودُفُوفَهُمْ ..

فبكلِّ عُرسٍ سُلْطَويٍّ

يدبكُون .. ويرقُصُونْ ..

ولكلِّ طاغيةٍ ..

يُضيئونَ الشموعَ ..

ويسجدُونَ ..

ويركعونْ ..

6

ماذا يريد الهاربونَ

من الشهامةِ ، والرُجولةِ ،

ما يريدُ الهاربُونْ ؟

يُدخِّنُونْ ..

ماذا يريدُ النَرْجسيُّونَ

الذين بحُسْنهم يتغزَّلُونْ ؟

وبشِعْرهِمْ يتغزًّلُونْ ..

وبنثرهمْ يتغزَّلونْ ..

7

الرائدونَ ..

وليس ثمَّ ريَادَةٌ .. أو رائدُونْ ..

والجالسونَ أمامَ أبواب الجوامعِ ..

والكنائسِ ..

يَشْحَذُونْ .

8

ماذا يريدُ اللاعبونَ على اللُّغَاتِ

الشاطرونَ ..

الماكرونْ ؟

الشاهدونَ على جريمة شنْقِنَا

ماذا تراهُم يشهدُونْ ؟

في أيِّ يومٍ يغضَبُونْ ؟

في آبَ ؟ في أيلولَ ؟ في تشرينَ ؟

في يوم القيامةِ – رُبَّما –

هُمْ يغضَبُونْ !!.

9

لا شيءَ ..

في العصر البيزنطيِّ الجديدِ يَهزُّهُمْ ..

لا شيءَ ..

في عصر المماليكِ الجديد يَهزُّهُمْ ..

لا شيءَ ..

في عصر (المارينز) يُثيرُهُمْ

أو يرفُضُوا ..

أو يبصُقُوا ..

أو يعلنوا رأياً ..

فهُمْ موتى

وماذا قد يقومُ الميِّتُونْ ؟

10

مَنْ هؤلاءِ السادةُ المُسْتَشْرِقُونْ ؟

ولأيِّ شعبٍ ؟.

أيِّ أرضٍ ؟

أيِّ دينٍ ؟

أيِّ ربٍّ ينتمونْ ؟

ما مسَّهُمْ حَرٌّ ، ولا قَرٌّ ،

ولا قَلَقٌ ، ولا أَرَقٌ ،

ولا مَنْ يَحْزَنُونْ ..

يتكلمونَ .. بألف موضوعٍ

ولا يتكلمونْ ..

ويحركون شفاههمْْ

لكنهم لا ينطقونْ ..

ويشاهدون جنازة الوطن القتيل أمامهمْ

تمشي ..

فلا يترحمونْ ..

11

مَنْْ هؤلاءِ الطارئونَ على مَشَاكلِ عَصْرِنا ؟

مَنْ هؤلاءِ الطارئُونْ ؟

هُمْ يزعمُونَ بأنَّهُمْ سيغيِّرونَ خريطةَ الدنيا ..

وهم مُتَخلّفونْ ..

وبأنهم سيُحرّرونَ الفكرَ والإنسانَ في كَلِمَاتِهمْ

وهُمُ على كُلِّ الموائد يخدُمُونْ ..

وبأنّهمْ عَرَبٌ غطاريفٌ

وهُمْ مُسْتعرِبُونْ ..

مَنء هؤلاءِ

الخائفُونَ على طراوة جِلْدِهمْ ؟

وعلى تناسقِ خَصْرِهمْ

وعلى أنوثة صوتِهمْ

مَنْ هؤلاء المُتْرَفُونْ ؟

هل هؤلاءِ طليعةُ ثوريَّةٌ ؟

أم باعةٌ متجوِّلُونْ ؟؟

وبأنّهمْ عَرَبٌ غطاريفٌ

وهُمْ مُسْتعرِبُونْ ..

12

مَنء هؤلاءِ

الخائفُونَ على طراوة جِلْدِهمْ ؟

وعلى تناسقِ خَصْرِهمْ

وعلى أنوثة صوتِهمْ

مَنْ هؤلاء المُتْرَفُونْ ؟

هل هؤلاءِ طليعةُ ثوريَّةٌ ؟

أم باعةٌ متجوِّلُونْ ؟؟