رَاع الكِنانَةَ رُزْءُ عَبْدِ القَادِرِ – خليل مطران

رَاع الكِنانَةَ رُزْءُ عَبْدِ القَادِرِ … وَجَرَى القَضَاءُ بِأَيِّ حُكْمٍ قاهِرِ

أَرأَيْتَ سَيْرَ مشَيِّعِيهِ وَالأَسَى … بَادٍ عَلى بَادٍ يَسِيرُ وحاضِرِ

إِنْ تَخْتَلِفْ طَبَقَاتهُمْ لمْ تخْتَلِفْ … فِيه شُجُونُ أَكَابِرِ وَأَصَاغِرِ

أَلكَاتِبُ النِّحْرِيرُ فخْرُ زَمَانهِ … ولَّى وَكَانَ مِنَ الطِّرَازِ النادِرِ

أَيَتِيمَةٌ تَهْوي وَرَاءَ يَتيمَةٍ … منْ ذلكَ العقْدِ الكَريم الفاخِرِ

مَنْ لِلبَيَانِ يَصُوغُهُ وَكَأَنَّهُ … وَحْيُ البَدَاهَةِ لا صِياغَة مَاهِرِ

مُتَأَنِّقٌ فِي القَوْلِ لا مُتَصنِّعٌ … فِيهِ ولا يُلْقِيهِ عَفْوَ الخَاطِرِ

مُتخيّرٌ مِنْ كل مَعْنىً يَانِعٍ … يُكْسَى عَلى قدَرٍ بِثَوْبٍ زَاهِرِ

تَغْشَى سَوَانِحُهُ النُّفُوسَ كَأَنَّهَا … فِيهَا مِزاجُ سرَائِرٍ بِسَرَائِرِ

رُزِئَتْ صِحَافَةُ مِصْرَ رَافِعَ شَأْنِهَا … بِبَلاءِ رَوَّاضِ الصِّعَابِ مُثَابِرِ

عشرَاتُ أَحْوَالٍ طَوَى أَيَّامَهَا … يَوْماً فَيَوْماً فِي كِفَاحٍ بَاهِرِ

يُعْطِي ذخائِرَهُ وَلَمْ يَكْرُثْهُ فِي … نَفْعٍ لأُمَّتِهِ نفَادُ ذخَائِرِ

مَا سودَ الأَيَّامَ وَهْيَ بَهِيجَةٌ … بِبَيَاضِها كالعَيْشِ بَيْنَ مَحَابِرِ

جُهْدُ العَنَاءِ عناءُ حُرٍ مُبْتَلىً … بِمُبَاكِرٍ مِنْ هَمهِ وَمُسَاهِرِ

كلٌّ عَلى قَدَرٍ يَكِدُّ لِرِزْقِهِ … وَيَقِلُّ لِلصَّحَفِيِّ أَجْرُ الآجِرِ

إِنْ لمْ يَبِعْ فِيمَا يَبِيعُ ضَمِيرَهُ … فَالتاجِرُ الصَّحَفِي أَشْرَفُ تاجِرِ

عُمْرٌ بِهِ لمْ يَأْلُ حَمْزَةُ عَهْدَه … رَعْياً وَلمْ يَكُ لِلذِّمَامِ بِخَافِرِ

لوْ ضم مَا قَطَرَتْ بِهِ أَقْلامُهُ … لامْتَدَّ كَالبَحْرِ الخِضَم الزَّاخِرِ

بَحْرٌ إِلى رُوَّادِ مَكْنُونَاتِهِ … يُهْدِي النَّفائِسَ مِنْ حِلىً وَجَوَاهِرِ

فقد الشُّيُوخُ خَطِيبَ صِدْقٍ هَمُّهُ … تَمْكِينُ حَقٍّ لا اهْتِزَازُ مَنَابِرِ

يَلقي الأَدِلةَ وَهْيَ كلُّ سِلاحِهِ … في وَجْهِ كلِّ مُنَاهضٍ ومُكَابرِ

لا لَفْظَةٌ تَنْبُو وَلا لَغْوٌ بِهِ … يَحشُو الكَلام وَلا قَذِيفَةُ ثَائرِ

مَا بالصَّوَاب إِلى الإِفَاضَةِ حَاجَةٌ … كَلاَّ وَلا يُعْليهِ رَفْعُ عَقَائرِ

في المَجْمَعِ اللُّغويِّ وَفَّى جَاهداً … قِسْطيْهِ مِنْ أَدَبٍ وَعِلمٍ وَافرِ

كانَتْ لَهْ فيهِ وَكَانَتْ قَبْلَهُ … في خِدْمَةِ الفُصْحَى ضُرُوبُ مَآثرِ

وَشَجَتْ بهَا أَعْرَاقُ مَجدٍ غَابرٍ … وَتَوَثَّقتْ أَعْرَاقُ مَجْدٍ حاضرِ

تَرْثي العُرُوبَةُ مَنْ رَثى لِشَقَائِهَا … وَعَنَاهُ ضَمُّ نظامِهَا المُتَنَاثرِ

أَعْلى مَنارَتَهَا وَحَاجةُ قوْمِهَا … أَمْثَالها مِنْ عَاليَاتِ مَنَائرِ

لَمْ يَأْلُها مَدَداً لحُسْنِ مَصيرِهَا … وَالوَقْتُ للأَقْوَامِ وَقْتُ مَصَايرِ

رَجُلٌ بهِ رَجَحَتْ عَلى نُظَرَائهِ … شِيَمٌ أَبَيْنَ تَشَبُّهاً بنَظَائرِ

فيهِ المُرُوءَة وَالنَّدَى يَجْلُوهُمَا … بتَطَوُّلِ الكَافي وَصَفْحِ القَادرِ

ما شِئْتَ حَدِّثْ عَنْ إِغَاثَةِ لاجيءٍ … مِنْ قَاصِدِيهِ وَعَنْ إِقَالَةِ عَاثرِ

لا تلْتَقيهِ العَيْنُ إلاَّ سَاكناً … وَيَفُوتُ لَحْظَكَ مَا وَرَاءَ الظاهرِ

نَفُسٌ يُصَرِّفها بعقْلٍ مَالكٍ … نَزَعَاتِهَا تَصْريفَ نَاهٍ آمرِ

لِلرَّأْي غَضْبَتُهُ فإِنْ صَدمَتْهُ لمْ … يُخطئْهُ رَعْيُ مُنَاظرٍ لِمُنَاظرِ

وَلَقَدْ تَرَاهُ وَهْوَ أَصْرَحُ عَاذِلٍ … إِنْ قَامَ غُذْرٌ عَادَ أَسْمَحَ عَاذِرِ

مهْمَا تُصَادِمْهُ الحَوَادِثُ تَصْطدِمْ … مَدَّاً وجَزْراً بِالدؤُوبِ الصَّابِرِ

مِنْ حَزْمِهِ وَالعَزْمِ يُلْفِي نَاصِراً … إنْ لَمْ يَجِدْ فِي لَزْبَةٍ مِنْ نَاصِرِ

فَلَقدْ يَكُونُ البُطْلُ أَوَّلَ ظَافِرٍ … لَكِنْ يَكُون الحَقّ آخِرَ ظَافِرِ

يا رَاحِلاً أَبْكِي شَمَائِلَهُ الَّتِي … عَذُبَتْ فتَشْرَقُ بِالدُّمُوعِ مَحَاجِرِي

كُنَّا ائْتِلافاً وَاختِلافاً نَلتفِي … فِي مَشْرَعٍ لِلوُدِّ صَفْوٍ طَاهِرِ

حَمَّلْتَ قَلْبَكَ جَائِراً مَا لم يُطِقْ … وَهْوَ العَدُوُّ لِكُلِّ حُكْمٍ جَائِرِ

فَطَوَى جَنَاحَيْهِ مَهِيضاً وَانْقَضَى … ما كانْ مِنْ تَدْوِيمِ ذاك الطَّائِرِ

يَا آلَ حَمْزَة إِنْ يَعِزَّ عَزَاؤُكُمْ … مَنْ لِلمُعَزِّي فِي ضِيَاءِ النَّاظِرِ

جُرِحَتْ لِجُرْحِكُمُ القُلُوبُ كَأَنَّهَا … قَبْلَ الرزِيئةِ فِيهِ ذَاتُ أَوَاصِرِ

أَوَ لَمْ ترَوْا فِي القَوْمِ يَا أَبْنَاءَهُ … كَمْ مِنْ مُوَاسٍ صَادِقٍ وَمُؤازِرِ

مَا كانَ أَرْفَقَهُ بِكمْ وَأَبَرَّهُ … فَأَرُوهُ كَيْفَ يَكونُ شكْرُ الشَّاكِرِ

وَبِقدْرِ مَا أَصْفَيْتُمُوهُ حُبَّكُمْ … زِيدُوا مَفاخِرَ ذِكْرِهِ بِمَفَاخِرِ

0