بيروت – غازي القصيبي

بيروت

بيروت ويحك أين السحر والطيب؟

و أين حسن على الشطآن مسكوب؟

و أين رحلتنا و الوجد مركبنا؟

و البحر أفق من الأحلام منصوب؟

و أنت مترعة النهدين مترفة

دنياك وعد بشوق الوصل مخصوب

في مقلتيك من الأهواء أعنفها

و في شفاهك إيماء و ترحيب

و في يميني ورود جئت أزرعها

على ضفائر فيها الليل مصلوب

بيروت ماذا يقول الناس؟ هل ذبحت

بيض الأماني.. و غال الطفلة الذيب؟

و هل توارى مليح كان يأسرني

و هل قضى قبل يوم الوعد محبوب؟

و أين ما كانيا بيروتإذ رقصت

لي الليالي.. و طارت بي الأعاجيب؟

و أين شعر جميل لست أذكره

على الصنوبر و التفاح مكتوب؟

و أين أول حب ضمني.. و مضى

و وقده في حنايا القلب مشبوب؟

بيروت لا تصفي لي الجرح.. أعرفه

فإنه في دمائي الحمر معصوب

أنا الذي أسرته الروم.. ما لحقت

به العراب.. و خانته الأعاريب

حملت في كبدي الآلام فانفطرت

و طوحت بي إلى اليأس التجاريب

ياللزعامات تلهو بي.. و أعشقها

و ربما عشق الازراء منكوب

كم أرضعوني شراب الوهم. كم سخروا

مني.. و كم غصبت روحي الأكاذيب

لا تنتهي غفلة عندي معتقة

و لا انتهت عندهم تلك الألاعيب

بيروت نحن الألى ساقوك عارية

للموت يصرخ في عينيك تعذيب

كم ناشدتنا شفاه فيك ضارعة

و كم دعانا عفاف منك مسلوب

فما استفاق ضمير في جوانحنا

مخدر في ضفاف الزيف محجوب

حتى إذا ضحك الجلاد.. ما دمعت

عين و لا غص بالاهات مكروب

سقطت و انتفض التاريخ يلعننا

و أطرقت في أسى المجد المحاريب

نهيم خلف سلام عز مطلبه

و مل من وعده الممطال عرقوب

عشنا مع الذل حتى عاف صحبتنا

نمنا على الصبر حتى ضج أيوب

أكلما قام فيهم من يذبحنا

قلنا: السلام على العلات مطلوب

و كلما استأسد العدوان باركه

منا جبان إلى الإذعان مجذوب

لا ترجع الأرض إلا حين يغسلها

بالجرح و النار يوم الفتح شؤبوب

الرياض:

1398هـ

1978م

0