الغربة – أحمد مطر

أحرقي في غُربتي سفني

الاَنّني

أقصيتُ عنْ أهلي وعن وطني

وجَرعتُ كأسَ الذُّلِّ والمِحَنِ

وتناهبَتْ قلبي الشجونُ

فذُبتُ من شجَني

الانني

أبحَرتُ رغمَ الرّيحِ

أبحثُ في ديارِ السّحرِ عن زَمَني

وأردُّ نارَ القهْرِ عَنْ زهري

وعَنْ فَنَني

عطّلتِ أحلامي

وأحرقتِ اللقاءَ بموقِدِ المِنَنِ ؟

ما ساءني أن أقطَعَ الفلَوَات

مَحمولاً على كَفَني

مستوحِشاً في حومَةِ الإملاقِ والشّجَنِ

ما ساءني لثْمُ الرّدى

ويسوؤني

أنْ أشتري شَهْدَ الحياةِ

بعلْقمِ التّسليمِ للوثنِ

ومِنَ البليّةِ أنْ أجودَ بما أُحِسُّ

فلا يُحَسُّ بما أجودْ

وتظلُّ تنثالُ الحُدودُ على مُنايَ

بِلا حدودْ

وكأنّني إذْ جئتُ أقطَعُ عن يَديَّ

على يديكِ يَدَ القيودْ

أوسعْتُ صلصَلةَ القيودْ

ولقَدْ خَطِبتُ يدَ الفراقِ

بِمَهْرِ صَبْري كي أعودْ

ثَمِلاً بنشوةِ صُبحيَ الآتي

فأرخيتِ الأعِنّةَ : لنْ تعودْ

فَطَفا على صدري النّشيجُ

وذابَ في شَفَتي النّشيدْ

أطلقتُ أشرِعَةَ الدّموعِ

على بحارِ السّرّ والعَلَنِ

أنا لن أعودَ

فأحرقي في غُربتي سُفُني

وارمي القلوعَ

وسمِّري فوقَ اللّقاءِ عقاربَ الزّمَنِ

وخُذي فؤادي

إنْ رضيتِ بِقلّةِ الثّمَنِ

لكنّ لي وَطَناً

تعفّرَ وجهُهُ بدمِ الرفاقِ

فضاعَ في الدُّنيا

وضيّعني

وفؤادَ أُمٍّ مُثقلاً بالهمِّ والحُزُنِ

كانتْ توَدِّعُني

وكانَ الدَّمعُ يخذلُها

فيخذلُني

ويشدُّني

ويشدُّني

ويشدُّني

لكنَّ موتي في البقاءِ

وما رضيتُ لِقلبِها أن يرتَدي كَفَني

أَنَا يا حبيبةُ

ريشةٌ في عاصِفِ المِحَنِ

أهفو إلى وَطَني

وتردُّني عيناكِ يا وَطني

فأحارُ بينكُما

أَأرحَلُ مِنْ حِمى عَدَنٍ إلى عَدَنِ ؟

كمْ أشتهي حينَ الرحيلِ

غداةَ تحملُني

ريحُ البكورِ إلى هُناكَ

فأرتَدي بَدَني

أنْ تُصبِحي وطَناً لقلبي

داخِلَ الوَطَنِ

0