أركائب الأحباب إن الأدمعا – المتنبي

أرَكائِبَ الأحْبابِ إنّ الأدْمُعَا … تَطِسُ الخُدودَ كما تَطِسْنَ اليرْمَعا

فاعْرِفْنَ مَن حمَلَتْ عليكنّ النّوَى … وامشَينَ هَوْناً في الأزِمّةِ خُضَّعَا

قد كانَ يَمنَعني الحَياءُ منَ البُكَا … فاليَوْمَ يَمْنَعُهُ البُكا أنْ يَمْنَعَا

حتى كأنّ لكُلّ عَظْمٍ رَنّةً … في جِلْدِهِ ولكُلّ عِرْقٍ مَدْمَعَا

وكَفَى بمَن فَضَحَ الجَدايَةَ فاضِحاً … لمُحبّهِ وبمَصْرَعي ذا مَصْرَعَا

سَفَرَتْ وبَرْقَعَها الفِراقُ بصُفْرَةٍ … سَتَرَتْ مَحاجرَها ولم تَكُ بُرْقُعَا

فكأنّها والدّمْعُ يَقْطُرُ فَوْقَها … ذَهَبٌ بسِمْطَيْ لُؤلُؤٍ قد رُصّعَا

نَشَرَتْ ثَلاثَ ذَوائِبٍ من شَعْرِها … في لَيْلَةٍ فَأرَتْ لَيَاليَ أرْبَعَا

واستَقْبَلَتْ قَمَرَ السّماءِ بوَجْهِها … فأرَتْنيَ القَمَرَينِ في وقْتٍ مَعَا

رُدّي الوِصالَ سقَى طُلولَكِ عارِضٌ … لوْ كانَ وَصْلُكِ مِثْلَهُ ما أقْشَعَا

زَجِلٌ يُرِيكَ الجَوَّ ناراً والمَلا … كالبَحْرِ والتّلَعاتِ رَوْضاً مُمْرِعَا

كبَنَانِ عَبدِ الواحدِ الغَدِقِ الذي … أرْوَى وأمّنَ مَن يَشاءُ وأجْزَعَا

ألِفَ المُروءَةَ مُذْ نَشَا فَكَأنّهُ … سُقِيَ اللِّبَانَ بهَا صَبِيّاً مُرْضَعَا

نُظِمَتْ مَواهِبُهُ عَلَيْهِ تَمائِماً … فاعْتادَها فإذا سَقَطْنَ تَفَزّعَا

تَرَكَ الصّنائِعَ كالقَواطِعِ بارِقا … تٍ والمَعاليَ كالعَوالي شُرَّعَا

مُتَبَسّماً لعُفاتِهِ عَنْ واضِحٍ … تَغْشَى لَوامِعُهُ البُروقَ اللُّمّعَا

مُتَكَشّفاً لعُداتِهِ عَنْ سَطْوَةٍ … لوْ حَكّ مَنكِبُها السّماءَ لزَعزَعَا

الحَازِمَ اليَقِظَ الأغَرَّ العالِمَ الـ … ـفَطِنَ الألَدّ الأرْيَحيّ الأرْوَعَا

الكاتِبَ اللّبِقَ الخَطيبَ الواهِبَ الـ … ـنّدُسَ اللّبيب الهِبْرِزِيّ المِصْقَعَا

نَفْسٌ لها خُلْقُ الزّمانِ لأنّهُ … مُفني النّفُوسِ مُفَرِّقٌ ما جَمّعَا

ويَدٌ لهَا كَرَمُ الغَمَام لأنّهُ … يَسقي العِمارَةَ والمكانَ البَلقَعَا

أبَداً يُصَدّعُ شَعْبَ وَفْرٍ وافِرٍ … ويَلُمُّ شَعْبَ مكارِمٍ مُتَصَدّعَا

يَهْتَزّ للجَدْوَى اهْتِزازَ مُهَنّدٍ … يَوْمَ الرّجاءِ هَزَزْتَهُ يومَ الوَغى

يا مُغْنِياً أمَلَ الفَقيرِ لِقاؤهُ … ودُعاؤهُ بَعْدَ الصّلاةِ إذا دَعَا

أقْصِرْ ولَستَ بمُقْصِرٍ جُزْتَ المدى … وبلغتَ حيثُ النّجمُ تحتكَ فارْبَعَا

وحَلَلْتَ من شَرفِ الفَعالِ مَواضِعاً … لم يَحْلُلِ الثّقَلانِ مِنْها مَوْضِعَا

وحَوَيْتَ فَضْلَهُما وما طَمِعَ امرُؤٌ … فيهِ ولا طَمِعَ امرُؤٌ أنْ يَطْمَعَا

نَفَذَ القَضاءُ بمَا أرَدْتَ كأنّهُ … لكَ كُلّما أزْمَعْتَ أمراً أزمَعَا

وأطاعَكَ الدّهْرُ العَصِيُّ كأنّهُ … عَبْدٌ إذا نادَيْتَ لَبّى مُسْرِعَا

أكَلَتْ مَفاخِرُكَ المَفاخرَ وانْثَنَتْ … عن شأوِهنّ مَطيُّ وَصْفي ظُلَّعَا

وجَرَينَ جَرْيَ الشّمسِ في أفلاكِها … فقَطَعْنَ مَغرِبَها وجُزْنَ المَطْلِعَا

لوْ نِيطَتِ الدّنْيا بأُخْرَى مِثْلِها … لَعَمَمْنَهَا وخَشينَ أنْ لا تَقْنَعَا

فمَتى يُكَذَّبُ مُدّعٍ لكَ فَوْقَ ذا … والله يَشْهَدُ أنّ حَقّاً ما ادّعَى

ومتى يُؤدّي شَرْحَ حالِكَ ناطِقٌ … حَفِظَ القَليلَ النّزْرَ مِمّا ضَيّعَا

إنْ كانَ لا يُدْعَى الفَتى إلاّ كَذا … رَجُلاً فَسَمِّ النّاسَ طُرّاً إصْبَعَا

إنْ كانَ لا يَسْعَى لجُودٍ ماجِدٌ … إلاّ كَذا فالغَيْثُ أبخَلُ مَن سَعَى

قَدْ خَلّفَ العَبّاسُ غُرّتَكَ ابنَهُ … مَرْأًى لَنا وإلى القِيامَةِ مَسْمَعَا