قصيدة نُراوَحُ بالحوادثِ، أَو نُغادَى – أحمد شوقي

نُراوَحُ بالحوادثِ، أَو نُغادَى

نُراوَحُ بالحوادثِ، أَو نُغادَى *
ونُنكرُها، ونُعطيها القِيادا

ونحمَدُها وما رعتِ الضَّحايا *
ولا جزتِ المواقفَ والجهادا

لحاها اللهُ، باعتنا خيالاً *
من الأَحلامِ، واشترتِ اتّحادا

مشيْنا أَمسِ نلقاها جميعاً *
ونحنُ اليومَ نلقاها فرادى

أضلتنا عن الإصلاح، حتى *
عَجَزْنا أَن نُناقشَها الفسادا

تُلاقِينا، فلا نَجِدُ الصَّياصِي *
ونَلقاها، فلا نجدُ العَتادا

ومَنْ لَقِيَ السِّباعَ بغيرِ ظفرٍ *
ولا نابٍ تمزَّقَ أَو تفادَى

خَفضنا من عُلُوِّ الحقِّ حتى *
تَوهَّمنا السيادة َ أَن نُسادا

ولمَّا لم نَنلْ للسيفِ ردّاً
* تنازعْنا الحمائلَ والنِّجادا

وأقبلنا على أقوالِ زورٍ *
تجيءُ الغيَّ تقلبه رشادا

ولو عُدنا إليها بعدَ قرْنٍ *
رحمنا الطرسَ منها والمدادا

وكم سحرٍ سمعنا منذُ حينٍ
* تضاءَلَ بين أَعيُننا ونادى

هنيئاً للعدوِّ بكلِّ أرضٍ *
إذا هو حلَّ في بلدٍ تعادى

وبُعداً للسيادة ِ والمعالي
* إذا قطعَ القرابة َ والودادا

وربَّ حقيقة ٍ لا بدَّ منها *
خدعْنا النَّشْءَ عنها والسَّوادا

تعدُّ لحادثِ الأيام صبراً
* وآونة ً تعدُّ له عنادا

وتخلف بالنهى البيضَ المواضي *
وبالخُلق المثقَّفة الصِّعادا

لمحنا الحَظَّ ناحية ً، فلما *
بلغناها أحسَّ بنا، فحادا

وليس الحظُّ إلا عبقريَّا *
يحبُّ الأريحية َ، والسدادا

ونحن بنو زمانٍ حواليٍّ *
تنقلَ تاجراً، ومشى ، ورادا

إذا قعد العبادُ له بسوقٍ *

شرى في السوق، أَو باع العِبادا

وتعجبه العواطفُ في كتابٍ *

وفي دمع المُشَخِّصِ ما أَجادا

يُؤمِّننا على الدستورِ أَنَّا *
نرى من خلفِ حوزته فؤادا

أبو الفاروق نرجوه لفضلٍ *
ولا نخشى لِما وَهبَ ارتدادا

ملأنا باسمه الأفواهَ فخراً
* ولقبناه بالأمسِ المكاد

نُناجيه، فنسترعِي حكيماً *
ونسأَله فنستجدي جَوَادا

ولم يزلِ المحبَّبَ، والمفدَّى *
ومرهمَ كلِّ جرحٍ، والضِّمادا

تَدفَّق مَصْرفُ الوادي، فرَوَّى *
وصابَ غمامُهُ، فسقى ، وجادا

دعا فتنافستْ فيه نفوسٌ *
بمصرَ لكلِّ صالحة ٍ تنادى

تقدمُ عونها ثقة ً ومالاً *
وأحياناً تقدمهُ اجتهادا

وأقبلَ من شبابِ القومِ جمعٌ *
كما بنتِ الكهولُ بنى ، وشادا

كأن جوانبَ الدارِ الخلايا *
وهم كالنحل في الدار احتشادا

فيا داراً من الهممِ العوالي *
سُقيتِ التِّبرَ، لا أَرْضَى العِهادا

تأَنَّى حينَ أَسَّسَكِ ابنُ حربٍ *
وحينَ بنى دعائمكِ الشدادا

ولا ترجى المتانة ُ في بناءٍ *
إذا البنَّاءُ لم يُعْطَ اتِّئادا

بنى الدارَ التي كنّا نراها *
أمانيَّ المخيَّل، أو رقادا

ولم يَبْعُدْ على نفسٍ مَرَامٌ *
إذا ركبتْ له الهممَ البعادا

ولم أَرَ بعدَ قدرتِه تعالى
* كمَقدِرَة ِ ابنِ آدمَ إن أَرادا

جرى والناسَ في ريب وشكٍّ *
يَرومُ السَّبْقَ، فاخترقَ الجيادا

وعوديَ ودونها حتى بناها
* ومن شأْنِ المجدِّدِ أَن يُعادى

يَهونُ الكيدُ مِنْ أَعدَى عدُوٍّ *
عليكَ إذا الوليُّ سعَى وكادا

فجاءت كالنهارِ إذا تجلَّى *
عُلُوّاً في المشارقِ وانطيادا

نصونُ كزائمَ الأموالِ فيها *
وننزلها الخزائنَ والنضادا

ونُخرجُها، فتكسِبُ، ثُمَّ تأْوِي
* رجوعَ النحل قد حملنَ زادا

ولم أرَ مثلها أرضاً أغلَّتْ *
وما سقيتْ، ولا طعمتْ سمادا

ولا مُستوْدعاً مالاً لقومٍ *
إذا رجعوا له أَدَّى وزادا

ومن عجبٍ نُثبِّتُها أُصولاً *
وتِلك فروعُها تَغشَى البلادا

كأنّ القطرَ من شوقٍ إليها
* سَما قبلَ الأَساسِ بها عِمادا

ولو ملكتْ كنوزَ الأرضِ كفِّي
* جعلتُ أساسها ماساً ورادا

ولو أن النجومَ عنتْ لحكمي *
فرشتُ النيِّراتِ لها مِهادا