قصيدة ساجعُ الشؤقِ طارَ عن أوكاره – أحمد شوقي

ساجعُ الشؤقِ طارَ عن أوكاره

ساجعُ الشؤقِ طارَ عن أوكاره *
وتَوَلَّى فنٌّ على آثاره

غاله نافذُ الجناحين ماضٍ *
لا تفِرُّ النسورُ من أَظفاره

يطْرُق الفرخَ في الغصون ويَغشَى *
لبداً في الطويل من أعماره

كان مزمارهُ ، فأصبحَ داو *
دُ كئيباً يبكي على مِزماره

عبدُهُ بَيْدَ أَن كلَّ مُغَنٍّ
* عَبْدُه في افتنانِه وابتكاره

مَعْبَدُ الدَّوْلَتَيْنِ في مصرَ، وإسحا *
قُ السَّمِيَّيْنِ رَبِّ مصرٍ وجاره

في بساط الرشيدِ يوماً، ويوماً *
في حمى جعفرٍ وضافي ستاره

صفوُ ملكيهما به في ازديادٍ
* ومن الصَّفو أَن يلوذَ بداره

يخرج المالكين به جشمة ِ المل * ـكِ
، ويُنْسِي الوقورَ ذِكْرَ وَقاره

ربَّ ليلٍ أغار فيه القمارى *
وأَثارَ الحِسانَ من أَقماره

بصَباً يُذْكِرُ الرِّياض صَباهُ *

وحجازٍ أرقّ من أسحاره

وغناءٍ يدارُ لحناً فلحناً *
كحديثِ النديمِ أَو كعُقاره

وأنينٍ لو أنه من مشوقٍ *
عرف السامعون مَوْضِعَ ناره

يتمنَّى أخو الهوى منه آهاً *
حينَ يلحى تكون من أعذاره

زَفَراتٌ كأَنها بَثُّ قيسٍ *
في معاني الهوى وفي أخباره

لا يُجاريه في تفنُّنِه العو * دُ،
ولا يَشْتكِي إذا لم يُجارِه

يسمع الليل منه في الفجر: يا لي * لُ،
فيصغي مستمهلاً في فراره

فجع الناسُ يوم مات الحمولي *
بدواءِ الهمومِ في عطَّاره

بأبي الفنِّ، وابنه، وأخيه *
القويِّ المكينِ في أَسراره

والأبيِّ العفيفِ في حالتيهِ *
والجوادِ الكريمِ في إيثاره

يحبسُ اللحنَ عن غنيٍّ مدلِّ *
ويذيق الفقيرَمن مختاره

يا مُغيثاً بصوته في الرزايا *
ومُعيناً بماله في المَكاره

ومُحِلَّ الفقيرِ بين ذَويه *
ومعزَّ اليتيمِ بين صغاره

وعِمادَ الصديقِ إن مال دهر *
وشِفاءَ المحزونِ من أَكداره

لستَ بالراحلِ القليلِ فتنسى *
واحدُ الفنِّ أمة ٌ في دياره

غاية ُ الدهرِ إن أتى أو تولَّى *
ما لقيتَ الغداة َ من إدباره

نزل الجد في الثرى ، وتساوى *
ما مضى من قيامه وعثاره

وانقضى الداءُ باليقين من الحا * لَيْن
، فالموتُ مُنتهَى إقصاره

لَهْفَ قومي على مخايلِ عزٍّ * زال
عنّا بروضِهِ وهَزاره

وعلى ذاهبٍ من العيش ، ولَّيـ * تَ
فولَّى الأخيرُ من أوطاره

وزمانٍ أَنت الرِّضَى من بقايا * هُ،
وأَنت العَزاءُ من آثاره

كان للناس ليلُه حينَ تشدو *
لحقَ اليومَ ليله بنهاره