قصيدة بالله يا نَسَماتِ النيل في السَّحَرِ – أحمد شوقي

بالله يا نَسَماتِ النيل في السَّحَرِ

بالله يا نَسَماتِ النيل في السَّحَرِ *
هل عندَكُنَّ عن الأَحباب مِنْ خبَر؟

عرفتكنَّ بعرفٍ لا أكيفه *
لا في الغوالي ، ولا في النَّورِ والزَّهَر

من بعض ما مسح الحسنُ الوجوهَ به *
بينَ الجبينِ، وبينَ الفَرْقِ والشَّعَر

فهل عَلِقْتُنَّ أَثناءَ السُّرَى أَرَجاً *
من الغدائر ، أو طيبا من الطُّرر؟

هجتنَّ لي لوعة ً في القلب كامنة ً *
والجُرْحُ إنْ تَعْتَرِضْه نَسْمَة ٌ يَثُر

ذكرت مصر ، ومن أهوى ، ومجلسنا *
على الجزيرة بين الجسر والنَّهَر

واليومُ أَشْيَبُ، والآفاقُ مُذْهَبة ٌ *
والشمسث مصفرة ٌ تجري لمنحدر

والنخلُ مُتَّشِحٌ بالغيم، تحسبُهُ *
هِيفَ العرائسِ في بيضٍ من الأُزُر

وما شجانيَ إلاّ صوتُ ساقية ٍ *
تستقبل الليلَ بين النَّوْح والعَبَر

لم يترك الوجدُ منها غيرَ أَضْلُعِها *
وغيرَ دَمعٍ كصَوْب الغَيْثِ مُنْهَمِر

بخيلة بمآقيها ، فلو سئلتْ *
جَفْناً يُعين أَخا الأَشواقِ لم تُعِر

في ليلة من ليالي الدهر طَيِّبَة ٍ *
محا بها كلَّ ذنبٍ غيرِ مُغْتَفَر

عفَّتْ ، وعفَّ الهوى فيها ، وفاز بها *
عَفُّ الإشارة ِ، والأَلفاظِ، والنظر

بتنا ، وباتت حناناً حولنا ورضاً *
ثلاثة ٌ بين سمْعِ الحبِّ والبصر

لا أكذب اللهَ ، كان النجمُ رابعنا *
لو يُذْكرُ النجمُ بعد البدر في خبر

وأَنصفَتْنا، فظُلمٌ أَن نُجازِيَها *
شكوى من الطول، أَو شكوى من القِصَر

دَعْ بعد رِيقَة ِ مَنْ تَهْوَى ومَنْطِقِه *
ما قيل في الكأْس، أَو ما قيل في الوتر

ولا تبالِ بكنزٍ بعد مبسمِه *
أَغلى اليواقيت ما أُعْطِيتَ والدُّرَر

ولم يَرُعْنِي إلاَّ قولُ عاذِلة ٍ *
ما بالُ أَحمدَ لم يَحلُمْ ولم يَقِر؟

هلا ترفَّع عن لَهْوٍ وعن لَعِبٍ؟ *
إن الصغائر تغري النفسَ بالصغر

فقلتُ: للمجد أَشعاري مُسَيَّرة *
وفي غواني العلا ـ لا في المها ـ وطري

مصرُ العزيزة ُ، مالي لا أُودِّعُها *
وداعَ محتفظٍ بالعهد مذكر

خلَّفْتُ فيها القَطا ما بين ذي زَغَبٍ
* وداعَ محتفظٍ بالعهد مدكر

وذي تمائمَ لم ينهض ولم يَطِرِ

أسلمتهم لعيون الله تحرسُهم *

وأَسلموني لظلِّ الله في البشر